هل سأطيع الله يومًا كما أوّدُ أن أطيعه؟

بقلم أدرييل سانشيز

أكتب هذا إلى المؤمن الذي يشعر بالإحباط بسبب إخفاقه المتكرِّر في إطاعة ناموس الله. ليس الأمر هو أنك تريد أن تعصي، لكنك بالأحرى تقول مع بولس: “لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ” (رومية 7: 15). فإنك تحب الله، لكن محبتك له ليست كاملة. وفي حقيقة الأمر، أنت تتساءل في بعض الأحيان ما إن كانت محبتك صادقةً أم لا. “إذا كنتُ أحب الله حقًّا، هل كنتُ لأفعل ذلك!؟” فإنك تتوق إلى الانتصار على خطايا مُعيَّنة في حياتك، لكنك تتساءل ما إذا كنتَ ستتمكَّن يومًا من ذلك. أكتب هذا الكلام إليكَ.

في العهد القديم، قطع الله لشعبه الخاطئ وعدًا، قائلًا: “وَيَخْتِنُ ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ قَلْبَكَ وَقَلْبَ نَسْلِكَ، لِكَيْ تُحِبَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ لِتَحْيَا” (تثنية 30: 6).

إذا كنتَ على دراية جيِّدة بتاريخ شعب الله، فستعلم أنهم صارعوا مرارًا مع إطاعتهم لله. فقد نكثوا العهد الأول الذي قطعه معهم، أي العهد الموسوي، ولهذا وعد الله بإبرام عهد جديد معهم. وهذه الآية من تثنية 30 تشير إلى ذلك العهد (وتصفه مواضع أخرى أيضًا، مثل إرميا 31: 31-34). وفي هذا العهد الجديد، سيغفر الله لشعبه كل خطاياهم، ويكتب ناموسه، أي ناموس المحبة، على قلوبهم. وعندما مات يسوع على الصليب، فعَّل ذلك العهد الجديد (لوقا 22: 20؛ 1 كورنثوس 11: 25). وإذا كنتَ قد آمنتَ بيسوع المسيح، فإنك الآن حيٌّ روحيًّا، والقلب الجديد الموعود به في العهد الجديد ينبض الآن بداخلك.

لكنني لستُ أحب الربَّ من كلِّ قلبي من وكلِّ نفسي، مثلما وعد تثنية 30: 6. كنتُ أتمنَّى أن أحبَّه هكذا! يلزمك أن تفهم أن محبتك لله في الوقت الحاضر السابق لدخول المجد — ستظل متأرجحة ومترنحة، بسبب الخطيَّة. فلا أحد يحفظ ناموس الله حفظًا كاملًا. ولهذا السبب تحديدًا أرسل الآب يسوع إلى العالم. أطاع يسوع الناموس طاعة كاملة، عوضًا عن كاسري الناموس. ولذا، يمكنك الآن أن تقف في ثقة أمام الآب، بفضل طاعة المسيح، عالمًا أن الناموس الذي كان فيما سبق مُرًّا، لم تَعُد لديه القدرة الآن أن يُهدِّدك. فإذ أُعتقتَ من حُكمه، صار بوسعك الآن أن تبدأ في تتميم ناموس المحبَّة الإلهي بالروح القدس، على نحو كان فيما سبق مستحيلًا.

تحدَّث مارتن لوثر، المصلِح البروتستانتي، عن الطريقتين اللتين يُتمَّم بهما ناموس الله في المؤمنين في الوقت الحالي، قائلًا:

إذن، بما أننا نعجز عن تتميم الناموس، بسبب الخطيَّة التي تملك في جسدنا، وتستعبده، جاء المسيح، وأمات تلك الخطيَّة بالخطيَّة أي بالذبيحة التي قُدِّمت عن الخطيَّة. وبهذا، أمكن تتميم البر الذي يطالب به الناموس فينا: أولًا، عن طريق الاحتساب؛ ثم بشكل رسمي أيضًا [أي في الواقع]؛ وهذا ليس منَّا [راجع أفسس 2: 8]، لكنه يتحقَّق بنعمة الله، الذي أرسل ابنه في الجسد. وهو يعطي الروح القدس للذين يؤمنون بهذه الأمور، حتى يتسنَّى لهم أن يبغضوا الخطيَّة بالحقيقة، وأن يدركوا عظم هذه العطيَّة الهائلة، وغير المدرَكة، والتي تفوق الوصف؛ وأن يُقدِّموا الشكر لله لأجلها؛ وكذلك أن يحبُّوا الله، ويعبدوه، ويدعوا باسمه؛ وأن ينتظروا منه كل شيء؛ لأنه إن كان قد بذل ابنه — أي أسلمه عن الخطايا — فهو حتمًا سيهبنا معه أيضًا كلَّ شيء [رومية 8: 2].[1]

لمَ تبغض الخطيَّة التي تصارع معها؟ لأن الله أرسل روحه القدُّوس ليسكن فيك. وفي حقيقة الأمر، لم يكن أيُّ صراع لينشأ في داخلك على الإطلاق لو لم يكن الروح القدس موجودًا في حياتك. وبحسب لوثر، يُتمَّم الناموس على أكمل وجه فيك أولًا عن طريق الاحتساب. ويعني ذلك أنَّ الله يضع في حسابك — بالإيمان — حياة الكمال والبرِّ التي عاشها المسيح، بحيث يمكن أن تتبرَّر، على الرغم من طاعتك غير الكاملة.

لكن هناك المزيد أيضًا. تابع لوثر حديثه ليقول إن الله يبدأ الآن، وبشكل رسمي، في تتميم الناموس فينا بقوَّة الروح القدس (وإن كان على نحو غير كامل). هذه هي الوسيلة الثانية التي يُتمِّم بها المؤمنون الناموس. وهذا ما أشار إليه بولس في رومية 8: 3-4: “لِأَنَّهُ مَا كَانَ ٱلنَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِٱلْجَسَدِ، فَٱللهُ إِذْ أَرْسَلَ ٱبْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ ٱلْخَطِيَّةِ، وَلِأَجْلِ ٱلْخَطِيَّةِ، دَانَ ٱلْخَطِيَّةَ فِي ٱلْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ ٱلنَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ”.

فقد حسبك الله بارًّا في التبرير، وهو بالروح القدس يجعلك بارًّا يومًا بعد يوم، جاعلًا إياك تبغض الخطيَّة، ومانحًا إياك الرغبة في أن تحب الله أكثر فأكثر. فقد قدَّم يسوع الطاعة الكاملة التي كفلت تَبَنِّيك ابنًا في عائلة الله. وبسبب عمل يسوع والروح القدس، ستُقدِّم أنت أيضًا يومًا ما المحبة الكاملة التي تتوق إلى تقديمها.

كتب الرسول يوحنا هذه الكلمات: “أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هَذَا ٱلرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ” (1 يوحنا 3: 2-3).

فيومًا ما، ستنتهي المعركة ضد الخطيَّة. وعندما يُظهَر المسيح، سيتغيَّر جسد تواضُعنا (فيلبي 3: 21)، وسنحب الله وبعضنا البعض محبة كاملة. قد تبدو طاعتنا ضعيفة في الوقت الحالي، لكن في الدهر الآتي سوف تصير هذه الطاعة كاملة، تمامًا مثل طاعة المسيح. ومجدَّدًا، كتب لوثر يقول: “في الحياة الآتية، لن نحتاج إلى أن يحثَّنا أحدٌ على أن نحبَّ الله، لكننا عندئذ سنفعل ما فعله المسيح هنا، بالحقيقة وعلى نحو كامل. وعندئذ لن تقول: ’يجب أن أحب الآب‘، بل ’إنني أحب الآب فعلًا‘، و’إنني أفعل الشيء نفسه الذي أوصيتُ به‘”.[2]


[1] Luther, Martin First Antinomian Disputation; See Argument 14

[2] Ibid; See Argument 7

  • أدرييل سانشيز

    أدريال سانشيز هو راعي كنيسة نورث بارك المشيخيَّة، التي تنتمي إلى طائفة الكنيسة المشيخية في أمريكا (PCA). بالإضافة إلى مسؤولياته الرعويَّة، فهو يخدم أيضًا الكنيسة العامة إذ يُقدِّم البرنامج الإذاعي “جوهر المسيحية”، برنامج حواري يُذاع مباشرةً كل يوم، ويستقبل أسئلة المستمِعين عبر الهاتف ويجيب عنها، أسئلة عن الكتاب المُقدَّس والإيمان المسيحي.

    Read All by أدرييل سانشيز ›

ابحث في مكتبة الموارد