
بقلم مايكل كروگر
في حينِ أن عالمَنا الحديث قد يُبعد نفسه عن العديد من المفاهيم المسيحيَّة، فإن الإيمانَ ليس واحدًا منها. يحبُّ عالمُنا الحديثَ عن الإيمان (فكِّر في أوبرا وينفري)، وحتى الغناءُ عن الإيمان (فكِّر في جورج مايكل). وبقدر ما يتعلَّقُ الأمرُ بثقافتنا، فإن الإيمانَ هو شعور — هو نظرةٌ إيجابيَّةٌ للحياة. إن الإيمانَ عظيمٌ.
ولكن ما هي هذه النظرةُ الورديَّةُ للإيمان؟ غالبًا ما تعني أن يكون لك إيمانٌ بنفسك. يتعلَّق الأمرُ بأن تصبحَ ما قُصِدَ لك أن تكونَ حقًّا.
لا تصمدُ هذه الفكرةُ أمام التدقيق. يصبحُ الإيمانُ مجردَ شيءٍ تستحضرُه في نفسك. إنه شيءٌ نضيفه إلى قائمةِ الأشياءَ التي نحتاجُ إلى القيامِ بها من أجل أن نكونَ ناجحين، وهو لا يتماشى مع حقيقة ما يكونُ الناسُ عليه بالفعل. في النهاية، إذا كان الإيمانُ الحقيقي يدورُ حولَ النَظَرِ إلى الداخل ورؤية كم أنا عظيم، فهذه ليست أخبارًا سارَّة. هكذا أكونُ في حالةٍ من الفوضى!
يختلفُ التعريفُ الكتابيُّ للإيمان اختلافًا جذريًّا. لا يتعلَّقُ الأمرُ بكونِك مُفكِّرًا إيجابيًّا. بل بالحَري، نحن مدعوُّون أن نأخذَ ثقتَنا وأن نضعَها في شيءٍ خارجَ أنفسنا.
يُطلق على الأصحاح 11 من الرسالة إلى العبرانيِّين أحيانًا اسمُ “قاعة الإيمان”. هي تأخذنا من خلالِ العديدِ من قدِّيسي العهدِ القديمِ وتُذكِّرُنا بما يمكنُ أن يُحقِّقَه اللهُ من خلال شعبه عندما يثقون به. لكن الدرسَ الأساسي ليس “اخرجْ وافعلْ أشياءَ عظيمة”. إن الأمر لا يتعلَّق بك أو بي، وما يمكننا تحقيقه فقط إذا كان لدينا إيمان. نعم، إنها دعوة للإيمان. ولكن الأمرَ يتعلَّقُ حقًّا بموضوع إيماننا: بالشخصِ الذي نثق به. إن الموضوعَ الرئيسي لعبرانيِّين 11 هو الثقة بالله.
يقودُنا هذا مباشرة إلى عبرانيِّين 11: 1، مما يعطينا تعريفًا للإيمان.
يقينيَّة الإيمان
“وَأَمَّا الْإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى“. (العبرانيين 11: 1)
ليسَ الإيمانُ مُجرَّدَ شعور. إنه لا يقولُ فقط: “أتمنى أن يكون ذلك صحيحًا”، بل يعني أن تكون متأكِّدًا من شيءٍ ما. لاحظْ اللفظتين الأساسيتين في هذه الآية الأولى: “ثقة” و”إيقان”. إن الإيمانَ هو ثقةٌ صَلبة بأنه عندما يعطي اللهُ وعدًا، يكونُ هذا الوعد حقيقيًّا وصحيحًا. إنه ثقة مطلقة وإيقان مطلق بأن كلمة الله يمكنُ الاعتمادُ عليها.
في أيامِنا هذه، إذا ادَّعيتَ أنك متأكِّدٌ من صحَّةِ معتقداتِك الدينيَّة، فمن المُحْتَملِ أن تدانَ بأنك مُتعجرف. يمكنك معرفة السبب: إذا ادَّعيتُ أنا مثلًا أن الحقَّ الديني الذي أؤمن به صحيحٌ حقًّا، فهذا يعني أنني أعتقدُ أن نسخة الدينِ لشخصٍ آخرَ غيرُ صحيحة. وهذا ليس من المألوف في عالمنا اليوم. إن التعريفَ الكتابيَّ للإيمانِ يَسبحُ ضدَّ تيارِ ثقافتنا.
بالطبع، لا يكون المسيحي متأكِّدًا على الدوام من كلِّ شيء. إن الشكَّ جزءٌ طبيعيٌّ جدًّا من الحياةِ المسيحيَّة. لكن يجبُ على المسيحيِّين الردُّ على الشكِّ بشكلٍ مُختلفٍ عن غيرِ المسيحيِّين. يتقبَّلُ الناسُ في عالمِنا اليومَ الشكَّ وعدمَ اليقين كأشياءَ تَستحِقُّ السعيَ وراءَها في حدِّ ذاتِها؛ على النقيضِ من ذلك، يعتقدُ المسيحيُّون بأن هناك أمورًا يقينية، على الرغم من أننا قد نجدُ صعوبة في التمسُّكِ بها. لذلك، عندما يكونُ لدينا تلك الصراعاتُ مع الشك، فإننا نقاومها. ومن ثم، نبحثُ عنيقين جديد من الله.
غاية الإيمان
لذا، إذا كانَ الإيمانُ هو “ثقة” بشيءٍ ما، فما هي بالضبطِ هذه الثقةُ التي لدينا؟ تُسلِّطُ الآية الأولى الضوءَ على نوعين من الأشياء التي نعرفها بالإيمان. “مَا يُرْجَى”، وهي أشياءٌ في المُستقبل لم تحدُثْ بعد. أما “أُمُورٍ لَا تُرَى” فهي أشياءٌ في الماضي — أحداثٌ لم نكن هناك لنراها؛ أو، ببساطةٍ، إن إيمانَنا هو فيما قد فعله اللهُ وما سيفعله الله.
الإيمانُ بما فعلَه اللهُ في الماضي مُوضَّحٌ في الآية 3: “بِالْإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ”.
لم تكُن هناك لترى اللهَ يجبلُ العالم. لا أحدَ كان هناك. إذن كيف تعرفُ أنه فعل ذلك؟ عليك أن تُصدِّقَه بالإيمان.
هناك أشياءٌ أخرى كثيرة في الماضي نؤمنُ بها، لأننا لم نكن هناك لرؤيتها. هل كنتَ هناك لمشاهدة نوحَ يبني الفُلك؟ هل كنتَ هناك لترى موسى يقودُ الطريقَ عبرَ البحرِ الأحمر؟ هل كنتَ هناك لترى يسوعَ يموتُ على الصليب؟ هذه كلها أحداثٌ نتبنَّاها على أنها حقيقيَّة — بالإيمان.
هل هذا الإيمانُ لا أساسَ له؟ بالطبع لا. لدينا أدلَّةٌ تاريخيَّةٌ هائلةٌ تؤكِّدُ ما نعرفُه بالإيمان. إن القصصَ التي نقرأُ عنها في الكتابِ المُقدَّسِ تاريخيَّة، ويمكننا الوثوقُ بأن أسفارَ الكتابِ المُقدَّس جديرة بالثقة. حينَ نقولُ إننا نؤمنُ بشيءٍ لا يمكننا رؤيته، فإننا لا نعني أنه لا توجدُ أسبابٌ وجيهة للاعتقادِ به. هذا يعني فقط أننا لم نكُن هناك لرؤيته بأعيننا.
ومع ذلك، فإن الإيمانَ لا يتعلَّقُ فقط بما فعله الله بالفعل، بل يتعلَّقُ أيضًا بما سيفعله اللهُ في المستقبل: “مَا يُرْجَى”. لا يمكنُك معرفةَ المُستقبلِ من خلال الأدلَّة التجريبيَّة فقط. ليس بإمكانك رؤية المرجو. عليك أن تثقَ باللهِ بشأنِ ما سيكونُ عليه الأمر.
في سياقِ سفرِ العبرانيِّين — ولا سيما الأقسامِ اللاحقةِ من الفصلِ 11 — ليس هناك شكٌّ في أن ما يلمِّحُ إليه كاتبُنا هو المجيءُ الثاني للمسيح. إننا ننظرُ إلى الوراء إلى الخليقة بإيمانٍ بما لم نشهده؛ لكننا أيضًا نتطلَّعُ برجاءٍ إلى خليقةٍ جديدةٍ، عندما يعودُ يسوعُ ليُصحِّحَ كلَّ شيء.
علينا أن نثقَ باللهِ فيما هو آتٍ. علينا أن نؤمنَ أن يسوعَ حقيقيٌّ وأنه سيعود. علينا أيضًا أن نثقَ به في حياتِنا ومُسْتقبلِنا. من المُحتملِ أن يكونَ هناكَ الكثيرُ من الأشياءَ في حياتِك التي تقلقك، ومن السهلِ أن ترجوَ أن ترى المستقبل. ولكن هذا هو بالضبطِ المكانُ الذي ينطلقُ منه الإيمان. فأنت ترجو ما لا تراه (رومية 8: 24-25). ثمة جزءٌ من الإيمانِ هو الثقةُ بأن اللهَ سوفَ يعولُك، ويسيرُ أمامَك، ويفي بوعودِه لك أينما تذهبُ.
ينظر الإيمان إما إلى ما فعلَه اللهُ أو ينظرُ إلى المستقبلِ فيما سيفعلُه الله. في كلتا الحالتين — وهذا هو المِفْتاحُ — يتعلَّقُ الإيمانُ بالثقة بالله. إنه ليسَ إيمانًا بأنفسِنا. يتعلَّقُ الأمرُ بالثقةِ بشيءٍ ما خارجَ أنفسِنا.
هذا المقالُ مُقْتطَفٌ من كتاب “رسالة العبرانيِّين لأجلك” (Hebrews For You) بقلم مايكل جي. كروجر (Michael J. Kruger)، وهو جزءٌ من سلسلةِ “كلمة الله لأجلك” (God’s Word For You)، التي نُشرت في الأصل هنا.
