لماذا هرب يونان من وجه الله؟

بقلم أدرييل سانشيز

في سفر يونان، لا توجد قصة تسبق حدث دعوة الله ليونان، وليس هناك وصفٌ للخلفيَّة التاريخيَّة أو لظروف وقوع أحداث السفر. ولم يَذكُر الكاتب سنة أو زمن وقوع الأحداث. كما أنه لم يخبرنا بهويَّته، أو بسبب كتابته لهذا السفر. كذلك، لم يخبرنا بشيء عن الشخصيَّة الرئيسيَّة للسفر، الذي هو يونان، عدا اسمه واسم أبيه. فقد “صَارَ قَوْلُ ٱلرَّبِّ إِلَى يُونَانَ”، لكننا لسنا نعلم أين أو كيف.

يختلف ذلك عن الأسفار النبويَّة الأخرى مثل إشعياء، وإرميا، وحزقيال، ودانيال. يُقدِّم كلُّ سفر من هذه الأسفار سواء خلفيَّة تاريخيَّة مطوَّلة، أو الظروف المحدَّدة التي جاءت فيها دعوة الله، أو لمحة عن حياة النبي وخلفيَّته. ربما افترض كاتب سفر يونان أنَّ مستمعيه سيكونون على دراية بالفعل ببَطَل قصته.[1] فقد وَرَد ذِكر اسم يونان في إيجاز في 2 ملوك 14: 25، حيث نطق بكلام الله إلى يربعام، ملك إسرائيل الشرِّير. لكن بما أننا لا نعرف هويَّة كاتب سفر يونان، أو زمن كتابة السفر، فإننا لا نعرف أيضًا بوضوح هويَّة مستمعيه الأصليِّين.

فما يهم هنا هو وجود الله ودعوته، وليس التفاصيل المتعلِّقة بالنبي نفسه أو بالخلفيَّة التاريخيَّة. والله موجودٌ من خلال كلمته.

لم يجاوب يونان الله بشيء، لكن كان ردُّ فعله تجاه الدعوة هو الهروب، واضعًا نصب عينيه موقعًا جغرافيًّا مُحدَّدًا: “فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ ٱلرَّبِّ” (يونان 1: 3). فقد هرب من دعوة الله، ومن حضوره، ومن كلمته.

دعوة لا مثيل لها

لم يكن يونان هو أول نبي مُتردِّد. فإن موسى، نبي إسرائيل الأول، أبدى اعتراضه عندما كلَّمه الله من عليقة مُتَّقدة، ودعاه إلى مواجهة فرعون، وإخراج شعب الله من أرض مصر، فقال: “مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟ (خروج 3: 11). وبالمثل، أبدى إرميا اعتراضه على دعوة الله له قائلًا: “آهِ، يَا سَيِّدُ ٱلرَّبُّ، إِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لِأَنِّي وَلَدٌ” (إرميا 1: 6). فكلاهما تشكَّك في أهليَّته لهذه المهمة. وفي كلتا الحالتين، طمأنهما الله بأنه سيكون معهما، وسيعطيهما الكلام الذي يتكلَّمان به.

لكن يونان لم يجاوب الله بشيء. ولا يمدُّنا النص بأيِّ دافع لرد الفعل الذي أبداه يونان. فلا شيء في النص يوحي لنا بأنه تشكَّك في إمكانيَّاته. ولم يحدث قط أن هرب أيُّ نبي آخر من دعوة الله. كما لم يخبرنا النص بسبب هذا التصرُّف.

لكننا نعلم المكان الذي دعاه الله أن يذهب إليه. فإحداثيَّاتنا الجغرافيَّة تشير إلى مدينة نينوى، الواقعة شمال شرق إسرائيل، وإلى ترشيش، الواقعة غربًا، عبر البحر الأبيض المتوسِّط. فنظير موسى، دعا الله يونان إلى مخاطبة إمبراطوريَّة وثنيَّة عظيمة. لكن موسى كان قد نشأ في مصر، وتربَّى في عائلة فرعون. ودعا الله موسى إلى أن يطلب من فرعون أن يطلق شعب إسرائيل، حتى يتسنَّى لهم أن يعبدوا الله في الأرض التي وعدهم بها من خلال عهده مع إبراهيم (تكوين 15: 18-21). فقد كانت هذه رسالة بركة وتحرير لشعب موسى.

في المقابل، دعا الله يونان إلى مغادرة أرض الموعد، وحَمْل رسالة إلى إمبراطوريَّة أجنبيَّة. لم تكن هذه رسالة رخاء وحريَّة لإسرائيل. بل في حقيقة الأمر، علم يونان على الأرجح أن رسالته كانت تعني النقيض. فعندما أصبحت عبادة الأوثان والظلم هما السمتان اللتان ميَّزتا مملكة إسرائيل، بارك الله أفرادًا من الأمم بواسطة نبيَّيه، إيليا وأليشع (1 ملوك 17: 17-24؛ 2 ملوك 5: 1-14). ووفقًا لرأي برايان د. إستيل (Bryan D. Estelle): “هناك وجهان لهذه العملة. ففي الوقت نفسه الذي تأتي فيه البركات إلى الأمم، تأتي الدينونة على إسرائيل”.[2] وهذه الدعوة الفريدة من نوعها هي التي دفعت يونان إلى الهرب.

وإن حقيقة أننا لا نعرف سوى القليل عن يونان توحي أيضًا بأن المشكلة كانت تَكمُن في المهمة نفسها. فما من دليل يفيد بأن شخصيَّة يونان كانت مزعِجة، أو بأن لديه تاريخًا من التمرُّد. لم يكن الأمر يتعلَّق بيونان، بل بالدعوة.

النبي الطائع

على الأرجح، إذن، يشير يونان إلى شيء أكبر منه هو نفسه. فمع أنه شخصيَّة تاريخيَّة حقيقيَّة، لكنه يُمثِّل أيضًا شعب إسرائيل. فبحسب خطة الله، كان من شأن جميع الأمم أن يعرفوا الله بواسطة طرق إسرائيل المُقدَّسة (1 ملوك 8: 59-60).[3] ولهذا، فإن يونان، الهارب من وجه الله، هو صورة لشعب إسرائيل. وعندما أعطى الله يونان رسالة تتعلَّق برخاء شعبه، أطاع يونان الدعوة (2 ملوك 14: 25). لكنه لم يكن على أدنى استعداد لحمل معرفة الله إلى عدوٍّ خطيرٍ ووثنيٍّ.

لكن على خلاف يونان، لم يهرب يسوع من دعوته. فقد جاء إلينا طواعية، وصار، في حقيقة الأمر، واحدًا منَّا. ثم ذهب طواعية إلى الصليب، وحُكِم عليه بالموت من إمبراطوريَّة وثنيَّة أخرى: “لِهَذَا يُحِبُّنِي ٱلْآبُ، لِأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لِآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هَذِهِ ٱلْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يوحنا 10: 17-18).

جاء يسوع طواعية، حتى يتسنَّى لنا، بالإيمان به، أن نعرف الله.

هذا المقال مقتطفٌ من دراسة لسفر يونان (Jonah)، تهدف إلى زيادة وتعميق فهمك للكيفيَّة التي يشير بها العهد القديم إلى عمل المسيح. اطَّلع على هذه الدراسة من خلال هذا الرابط.


[1] Bryan D. Estelle, Salvation through Judgment and Mercy: The Gospel According to Jonah (P&R Publishing: Phillipsburg, NJ, 2005), 12.

[2] Estelle, Salvation through Judgment and Mercy, 25.

[3] Estelle, Salvation through Judgment and Mercy, 23.

  • أدرييل سانشيز

    أدريال سانشيز هو راعي كنيسة نورث بارك المشيخيَّة، التي تنتمي إلى طائفة الكنيسة المشيخية في أمريكا (PCA). بالإضافة إلى مسؤولياته الرعويَّة، فهو يخدم أيضًا الكنيسة العامة إذ يُقدِّم البرنامج الإذاعي “جوهر المسيحية”، برنامج حواري يُذاع مباشرةً كل يوم، ويستقبل أسئلة المستمِعين عبر الهاتف ويجيب عنها، أسئلة عن الكتاب المُقدَّس والإيمان المسيحي.

    Read All by أدرييل سانشيز ›

ابحث في مكتبة الموارد