
بقلم مايكل هورتن
تَربَّى الكثيرون منا في زمن كانت فيه عبارة “هذا موجود فقط في دماغك” تعني أنَّ الأمراض العقلية ليست حقيقية، أو على الأقل ليست حقيقية مثل ذراع مكسور. هذا الاتجاه لا يعكس عدم تقدير النمو السريع في التشخيص الطبي وعلاج مثل هذه الاضطرابات فقط، ولكن باقة من سوء الفهم اللاهوتي. إليكم، إذن، بعض الأطروحات التمهيدية التي يجب مراعاتها.
1. نحن مخلوقات جسدية-روحية.
أظهرت علوم المخ المعاصرة مدى ارتباط أفكارنا ومشاعرنا ومواقفنا الذهنية وأفعالنا بأجسادنا على وجه التحديد، وكذلك عقولنا بالتفاعلات الكيميائية. يعتبر مبدأ “العقل فوق المادة” نظرة وثنية وليس كتابية عن تكوين الإنسان. وفقًا للكتاب المقدس، لا ينقسم الواقع بين الروح (أو العقل) والمادة، بل بين الله وكل شيء آخر. الملائكة والأرواح البشرية ليست هي الله، مَثَلهم في ذلك مَثَل الحيوانات أو الجمادات. نحن لسنا الله ومع ذلك فنحن مثل الله: مخلوقون على صورته، أي في قداسة وبرّ حقيقيين.
ونظرًا لأننا وحدات جسدية-روحية، فإنّ الأمور الجسدية والروحية تتقاطع بطرق لا يمكن تفكيكها بسهولة. لذلك فإنّ نظرة الكتاب المقدس للإنسان تحذّرنا من تجاهل الإصابات الجسدية على أنَّها مُجرَّد وهم أو مسؤولية روحية وأخلاقية. الـ “أنت الحقيقي” ليس روحك فقط، بل هو وحدة واحدة مكوّنة من جسد وروح: تَميُّز بلا انفصال. إنَّ نظرة الكتاب للبشر كوحدات جسدية-روحية لابُدّ أن تهيّئنا لقبول الواقع: أنَّ كل مشكلة روحية لها عنصر مادي والعكس صحيح.
2. الخطيئة حالة، وليست مُجرَّد أفعال
وفقًا لدراسة بايلور لعام 2008، قال 36 ٪ من المصابين بأمراض عقلية الذين يرتادون الكنائس إنَّ قادتهم أخبروهم بأن ذلك نتيجة خطيئة؛ بينما قال 34 ٪ إنَّه قيل لهم إنَّهم ملبوسون بشيطان؛ وقيل لـ 41٪ إنَّهم لا يعانون من مرض عقلي. وطُلِب من 28 ٪ التوقف عن تناول الأدوية.[1] هذا وإنَّ “خدمات التحرير” تبالغ في التأكيد على هذه النقطة الثانية. حيث يعتقد الكثيرون أنَّ الشياطين تجلب “لعنات جيلية” تنتقل من جيل إلى جيل. ببساطة: لا يوجد أي تقدير لخطورة حالة الخطية في مثل هذه النظرة غير الكتابية.
من المنظور الكتابي، ليست الخطية شيئًا نفعله أو لا نفعله، بل تنشأ من حالة خاطئة أو شريرة. فكما أنَّ الذات كلها مخلوقة على صورة الله، فإن الذات كلها قد سقطت. وبالتالي، نحن خطاة ومتضرّرون من خطية الغير، مذنبون وضحايا. هذا لا يعني أننا لسنا مسؤولين شخصيًا عن خطايانا، بل أنَّ حالة الخطية أكبر بكثير في مداها من ذلك.
يمكننا أن نكون مثل أصحاب أيوب الذين جاؤوا لتعزيته، مفترضين أنَّه فعل شيئًا جلب عليه تلك البلايا. ولو أنَّه كشف عن الخطيئة وأقرّ بها، فالله – لا محالة – سيرد له غناه. لكن لا أيوب ولا أصدقاؤه كانوا مطّلعين على الأصحاح الأول، الذي سمح الله فيه للشيطان بأن يختبر أيوب حتَّى يَظهَر للعيان شيء أعظم من الصحة الجسدية والثروة والسعادة. قصد الشيطان بذلك شرًّا، لكنَّ الله قصد به خيرًا. قد أوصلت المعاناةُ أيوبَ إلى الثقة التي عبّر عنها في الأصحاح 19: “أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي (أي فاديَّ) حَيٌّ، وَٱلْآخِرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هَذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى ٱللهَ. ٱلَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذَلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي!” (الآيات 25–27).
لن يستطيع أصدقاؤه، ولا المذهب الطبيعي الحديث، تفسير الغرض النهائي لمعاناة أيوب من البيانات المتاحة. وفي معاناتنا الخاصة، نحن أيضًا غير مطّلعين على “الأصحاح الأول.” كل ما نراه هو الأسباب الطبيعية والوحي الإلهي القائل بأنّ الله يعمل كل الأشياء معًا من أجل خيرنا، لأنه قد انتصر بالفعل على الخطيئة والموت في يسوع المسيح.
3. العلم هبة من الله عندما يُدرِك حدوده
إننا لا نقول أبدًا للمصابين بالسرطان: “فقط صلّوا أكثر واقرأوا الكتاب المقدس أكثر.” في العادة، لا يتصرّف الله في الحال وبشكل مباشر، ولكن بشكل غير مباشر من خلال أسباب ثانوية (“هو مُسبِّب الأسباب”). ومن اللافت للنظر أنَّه في تكوين 1 و2 لا نجد أمرًا مباشرًا فقط: “ليكن …!” متبوعًا بالجملة الخبرية: “فكان …”، ولكن أيضًا الأمر: “لِتُنْبِتِ ٱلْأَرْضُ …!” الذي تعقبه الجملة الخبرية: “فَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ…” حتَّى في هذا العمل الجبّار، خلق العالم الله من لا شيء (من العدم)، وكان يعمل من خلال العناصر المادية وعمليات سبق وخلقها لتحقيق الإثمار. وكلاهما من أعمال الله.
صلَّيت أنا وزوجتي كي يشفي الله توائمنا الثلاثة عندما وُلِدوا قبل الأوان، الأمر الذي أنتج مضاعفات مختلفة. لم يهمّنا إذا كان الله سيتدخّل بمعجزة أو من خلال الأطباء والممرضات الممتازين. والحقّ أنَّه تدخّل عن طريق الأطباء والممرضات. الله يستجيب للصلاة في كلتا الحالتين. الصلاة من الوسائل التي يستعملها الله لتنفيذ خططه. ومع ذلك فإنّ الصلاة ليست سحرًا. تمامًا مثل المسيح نفسه في جثسيماني الذي لم “يوجّه عينيه صوب الخطّة الإلهية بل وضع رغبته، التي كانت تتّقد داخله، على ركبتي أبيه،” نحن أيضًا “إذ نسكب الصلوات، لا نتجاسر على التكهُّن بأسرار الله.”[2] بدلًا من محاولة فك رموز مقاصد الله الخفية، ينبغي أن تنصبّ صلواتنا على الخير الذي أعلنه بخصوصنا. يجب أن نتحلَّى بالجرأة في صلواتنا مثلما تشجّعنا الأمثلة الكتابية مرارًا وتكرارًا.
4. المسيح جاء لشفاء المرضى، لا الأصحّاء (أو الذين يعتقدون أنهم كذلك)
إليكم النقطة الجوهرية: الصلاة وقراءة الكتاب المقدس ليستا علاجين على الإطلاق، ناهيكم عن كونهما بدائل للوصفات الطبية. الصلاة هي ببساطة التحدث إلى الله الآب، في الابن، بواسطة الروح القدس الساكن فينا. قد تكون لقراءة الكتاب المقدس فائدة “علاجية”، ولكن فقط لأننا نبحث عن شيء أكثر من ذلك: أي الحقّ الإلهي، وحقيقة أنفسنا، وعالمنا، وآمالنا ومخاوفنا، والمصالحة مع الله في ابنه.
عندما يقع التركيز على المسيح، حسبما أعلنه لنا الإنجيل، نقدر أن نصلِّي بأمانة، مُلقين أنفسنا على رحمة الله. إننا لا نأتي إلى قاضٍ أو حتَّى إلى طبيب نفسي، بل إلى أبينا السماوي الذي قبلنا في ابنه. نحن لا نفرك مصباح علاء الدين ثُمَّ نتمنّى أمنية، بل نحن أطفال نصرخ إلى الله صاحب السيادة الذي يعتني بنا ويستجيب بالمحبة والحكمة والرحمة لأحاديثنا الصاخبة غير المؤثرة والفاترة، وحتى المفرطة.
5. المسيح يخلّص الإنسان كله، لكنَّ التقديس عملية لا تنتهي أبدًا في هذه الحياة
كما أنَّ الإنسان كله مخلوق على صورة الله، فلا هو إله ولا هو شيطان، وكما أنَّه سقط بالكامل روحًا وجسدًا، فإن الشخص كله يتبرّر ويتجدَّد يوميًا على صورة المسيح. هذا التجديد في الوقت الحاضر واضح روحيًّا. فبينما يتحلّل الجسم كلَّما دنا من القبر، يتجدّد “الإنسان الباطن” يومًا بعد يوم (2 كورنثوس 4: 16).
نحن جميعًا نرغب في الوصول إلى ملاذ آمن، إلى مستوى من الصحة، لا نحتاج فيه إلى الصراع مع الخطيئة أو الآلام الجسدية والعاطفية المتعلّقة بالموت اليومي. لكننا لا نجد مرفأً آمنًا نرسو فيه في خبرتنا الجسدية أو الروحية. إنما الملاذ الوحيد الآمن هو المسيح نفسه، الذي انتصر بالفعل على الخطيئة والموت، والذي يشفع لنا عن يمين الآب حتَّى يقيمنا جسديًا من أجل يوم الراحة (السبت) الأبدي.
6. لاهوت الصليب والقيامة يهبنا الإيمان والرجاء والمحبة
نحن نعتمد في المسيح. فماذا كان نمط حياته؟ بدلًا من اختيار المخرج السهل، بأن يقبل المجد الذي عرضه عليه إبليس، عانق الصليب، ليس لمجرد الصبر على الشدائد كما كان يفعل الرواقيون، بل “مِن أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ”، أي خلاصنا (عبرانيين 12: 2). بخضوعه للألم، كسر شوكة الموت (لعنة الناموس) (1 كورنثوس 15: 56–57). لكننا لا نزال نسير وراءه من الموت إلى الغلبة، لكنَّ الغلبة على آلام الخطيئة والموت لا توجد على هذه الناحية من المجد (رومية 8: 18–25).
إن التسلُّح بلاهوت كتابي قوي عن الصليب والقيامة حَرِيّ بأن يُثبِّت رجاءنا في المسيح، الذي يعرف آلامنا أكثر مِمَّا نعرفها والذي تغلّب عليها بالفعل. نحن نعيش في أُسَرنا وفي كنائسنا المسيحية في هذه الفترة الوسط، منتظرين اليوم الذي نتشارك فيه بالكامل، روحًا وجسدًا، في مجد المسيح. كنائسنا يجب أن تكون مكانًا “ننتظره فيه بصبر” معًا. وفي هذه الأثناء، نحتاج إلى رعاية روحية أفضل، تُقدِّر المدى الذي يمكن به تخفيف المعاناة المادية والنفسية. يجب على المؤمنين أن يرحّبوا بهذه التطوّرات كعلامات على رعاية الله المُنَسَّقة وعنايته الحنونة بمخلوقاته. ستحتل الرعاية الروحية مكانًا مركزيًّا دائمًا، وخاصة الخدمة الأمينة المتمثّلة في الوعظ والتعليم والأسرار والصلاة والتأديب. ولكن مثل طفل مصاب بكسر في الساق، قد يكون نقل الناس إلى غرفة الطوارئ هو أَوَّل بند في جدول أعمالنا.
مقتبس من: Michael S. Horton, “Faith and Mental Illness” Modern Reformation, Jul/Aug 2014. ومُصرَّح لنا باستخدامه
[1] انظر: http://www.baylorisr.org/wp-content/uploads/stanford_perceptions.pdf.
[2] جون كالفن، تفسير سفر المزامير 1: 353.
