
بقلم روتليدج إثيردج
بصفتي مدرِّسًا، أقدِّر الوقتَ الذي يبذلُ فيه الطلابُ جهدًا إضافيًّا لتأديةِ مهامهم؛ فإذا قدَّمَ أحدُهُم ورقةً قد دُرِست بعنايةٍ وأُعِدَّت إعدادًا جيدًا، فسأكتبُ رسالةً مشجِّعةً بجوارِ الدرجةِ: “مذهلٌ!” أو “أحسنتَ فعلًا!” أو “من المستحيلِ أنك كتبتَ هذا – أريدُ مقابلتَك بعد انتهاءِ الصفِّ!” سأكتبُ جميعَ الملاحظات التي تقرُّ بالعملِ الجيدِ بشكلٍ خاصٍّ.
لقد قرأتُ بعضَ المقالاتِ الرائعة حقًا، وقرأتُ أخرى تتَّسم بالانتحالِ الأدبيِّ. ورغم ذلكَ، لم أفكِّرْ مُطلقًا في التعليقِ على أيٍّ منها: “مُوحًى بِها مِنَ اللهِ”. لا يهمُّني مدى روعةِ العملِ، أو المبلغ الذي عرضَه الطالبُ ليدفَعَه؛ لأنني أعجزُ بكلِّ صدقٍ عن منحِ مثل هذا النوعِ من المديحِ لمجردِ كلماتٍ قد صاغها البشرُ. وستكون مجاملةً مُبالَغ فيها للمؤلفِ وتبعثُ على السخريةِ، و(قد تظن) أنها إهانةٌ صارخةٌ للهِ. ومع ذلك، يستخدمُ الرسولُ بولس هذا التعبيرَ الدقيقَ لوصفِ مجموعةٍ معينةٍ من المؤلفاتِ البشريةِ. فيكتب: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ” (تيموثاوس الثانية 3: 16).
الكتابُ المقدسُ هو كلمةُ اللهِ لنا
في أيامِ بولس، كانَ “الكتابُ المقدسُ” هو ما نسمِّيه الآن العهدَ القديمَ. كُتِب كلُّ سفر من أسفارِ العهدِ القديم على يد واحدٍ أو أكثر من بني البشرِ (لحم ودم) غير المعصومينَ منَ الخطأ. لكن لم يمانعْ بولسُ تسميةَ هذهِ المؤلفاتِ البشريَّة بأنها “مُوحًى بِها مِنَ اللهِ”. فهل كانت لدى بولس نظرةٌ متدنيةٌ عن اللهِ؟ بالطبع لا، وغير مُحتَمَل. لقد عظَّمَ بولسُ الله مسبِّحًا إياه قائلًا: “الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ” (تيموثاوس الأولى 6: 16).
انضمَّ بولسُ في تبجيلِه اللامتناهي للهِ إلى سلسلةٍ طويلةٍ منَ الأنبياءِ الذين سبقوه، والذينَ تغلغلَ فيهم حتى النخاعِ وفي أعماقِ أرواحِهم شيءٌ من الشعورِ بكبرِ عظمةِ الله التي تملأُ الكونَ، وجلالِه اللامحدود المحيِّر. فارتجفتْ قلوبُهم من قداسةِ اللهِ، وهي كلمةٌ تعني بشكلٍ أساسي التميُّزَ والاختلافَ. لقد عرفوا أنَّ طرقَ الله كانتْ أعلى من طرقِهم، وأنَّ أفكارَه علتْ فوقَ أفكارِهم. ومع ذلك، دعا بولسُ العهدَ القديمَ -هذه الكلمات التي كتبَها البشرُ- بأنها “أنفاسُ اللهِ.” هذا الوصفُ للعهدِ القديمِ ينطبقُ أيضًا على العهدِ الجديدِ (2 بطرس 3: 15-16).
ربما كنتَ تعتقدُ أنَّ بولسَ كان يشيرُ بعبارة “أنفاسِ الله”، إلى الكلماتِ المنطوقةِ. لقد آمنَ بولسُ بأنَّ كلمةَ الله المكتوبةَ هي بالفعل كلمةُ الله التي تكلمَ بها الله بواسطةِ أنبياءِ الماضي. كما اعتبرَ المسيحُ أنَّ النصَّ الذي كتبه الإنسانُ هو صوتُ الله ذاتِه (متى 22: 31). الآنْ فكِّر فيما يعنيهِ هذا بالنسبةِ لكَ! إذا كنتَ قرأتَ الكتابَ المقدسَ، فهذا يعني أنَّ الله قد تكلمَ إليك شخصيًّا.
الكتابُ المقدَّسُ هو إعلانُ الله عنْ يسوعَ المسيحِ
على الرغمِ من أنَّ كلماتِ الله تأتي إلينا بلغةٍ بشريةٍ عاديةٍ، فإنَّه يصعبُ أحيانًا فهمُ ما يقولهُ اللهُ لأننا لسنا نعلمُ تمامًا المغزى منْ وراءِ قولِه. إذا فكَّرْنا في الكتابِ المقدسِ وفقًا لأحكامِه الخاصةِ، سنجدُ أنَّ اللهَ الآبَ أمر بعملِ سيرةٍ ذاتيةٍ لابنِه، فكلَّف الروحَ القدسَ بكتابتِها (2 بطرس 1: 16-21). هذه هي الطريقةُ التي نظرَ بها يسوعُ إلى العهدِ القديمِ (متى 5: 17-18)، ويستمرُّ العهدُ الجديدُ فيكمل مسيرةَ العهدِ القديمِ في التركيزِ على جوهرِ مركزيةِ المسيحِ (يوحنا 20: 30-31). إنَّ فهمَ الغرضِ من كلِّ الأسفار المقدسةِ يسمحُ لنا بوضعيةٍ ندركُ من خلالِها كيفَ يشيرُ كلُّ جزءٍ كتابيٍّ عن يسوعَ. وعندها تصبحُ كلمةُ الله شخصيةً بطريقةٍ مدهشةٍ وحقيقيةٍ.
فإذا آمنَّا بيسوعَ كما تقدِّمه الكتبُ المقدسةُ (1 كورنثوس 15: 3-11)، فإنَّ الكتاب المقدس سيشبِهُ ألبومَ صور عائليٍّ يركزُ على أخينا الأكبرِ [بكرِ كلِّ خليقةٍ] ويخبِرُنا كلَّ شيءٍ عن أنفسِنا من جهةِ علاقتِنا بهِ (العبرانيين 11). يقول بولسُ إنَّ ذلك الابنَ المقامَ من بينِ الأمواتِ هو حَيَاتُنَا (كولوسي 3: 4).
ربما كانت خبرتُك معَ الكتابِ المقدسِ خبرةً شخصيةً لكنها مؤلمةٌ في ذات الوقتِ. كلماتُ الله قويةٌ جدًّا لدرجةِ أنَّ إساءةَ استخدامِها، والتي غالبًا ما ينالُ اسمُ يسوع نصيبًا منها، تكون مدمِّرةً. بينما كنتُ أكتب هذا الفصلَ في أحدِ المقاهي، سألتني امرأةٌ مسنةٌ عما أفعلُه، فأخبرتُها أنني كنتُ أكتبُ كتابًا حول الكتابِ المقدسِ يخاطبُ إلى حدٍّ كبيرٍ الذين لديهم خبرةٌ ضئيلةٌ أو سيئةٌ للغاية معه. فردَّتْ على الفور: “إذًا اعتبرني في تلك الفئةِ الثانية”. لقد أمضتْ طفولتَها في بيئةٍ “مسيحيةٍ” قمعيةٍ تحمل الكثيرَ من الإيذاءاتِ النفسيةِ. لقد تجاذبْنا أطرافَ حديثٍ مفجعٍ. وفي لحظةٍ سألتُها: “هل يمكنكِ عدمُ ربطِ الأحداث التي حدثتْ لكِ باسم يسوعَ والكتابِ المقدسِ بيسوعَ والكتابِ المقدس ذاتيهما؟” فقالت بحزنٍ شديدٍ وبوضوحٍ: “لا يمكنني”.
بالنسبةِ لكثيرين، تصديقُ أيِّ كتابٍ يُطلقُ على نفسِه “كلمة الله” مآلُه الفشلُ لا محالة، ناهيكَ عن اكتسابِ أيِّ شخصٍ سلطةً أكبر على الآخرين بتعليمِه إيَّاه. خاصةً عندما يُساء استخدامُ “الكتابِ الخيِّرِ” لتحقيق أغراضِ الشرِّ، وعندما يوفرُ المسيحيُّون المزيفون غطاءً للمسيئين، فإن إحدى أفضلِ الخدماتِ التي يمكنُ للمسيحيين تقديمُها لجميعِ الناس لا تتمثلُ في استعادةِ نظرةِ الكتابِ المقدسِ عن يسوعَ فقط، بل أيضًا في استعادةِ نظرةِ يسوعَ عن الكتابِ المقدسِ. وأفضلُ سببٍ لتصديقِ هذه الكلماتِ الإلهية التي كتبها البشرُ هو أنَّ يسوع، إنسانَ الله قد سبقَ فصدَّقَها أيضًا. لذا يدعونا يسوعُ لنحيا كما عاش بكلِّ كلمةٍ تخرجُ من فمِ اللهِ (متى 4: 4) كما عبَّر بولسُ عن ذلك، بكلِّ كلمةٍ ينفخُ بها اللهُ.
______________
اقتبسَ المؤلفُ هذا المقالَ من كتابِه God Breathed: Connecting through Scripture to God, Others, the Natural World, and Yourself by Rut Etheridge III ©2019, Crown & Covenant Publications واستُخدِم بإذن.
