
بقلم كالي جاكوب ميزا
في متى 12: 22-31، بعدما أخرج يسوع روحًا نجسًا من رجلٍ ما، اتَّهمه الفريسيُّون بأنه فعل ذلك بقوة الشيطان. وردًّا على ذلك، أشار يسوع ليس فقط إلى كون هذا مخالفًا للمنطق — لأن ما من مملكة تنقسم على ذاتها (الآية 26) — بل أيضًا إلى أن آياته، التي تُجرَى بقوة روح الله، تكشف فعليًّا عن اختراق ملكوت الله لواقعهم، ووقوفه أمامهم (الآية 28). وبعد ذلك، وبَّخ يسوع الفريسيِّين قائلًا:
لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ وَلَا فِي ٱلْآتِي.
ما هو إذن التجديف على الروح القدس، أي ما يسمِّيه الكثيرون بالخطيَّة التي لا تُغفَر؟
ببساطة، الخطيَّة التي لا تُغفَر هي رفضُ نعمة الله. لنتناول مرة أخرى سياق كلمات يسوع.
كان يسوع قد أعاد لتوِّه البصر والسمع لرجل، بعدما خلَّصه من روح شرِّير (الآية 22). وقد أُجرِي هذا الفعل بالتأكيد لمنفعة هذا الرجل، لكنه أُجرِي أيضًا لمنفعة الجموع، والتلاميذ، بل والفريسيِّين أيضًا. فمن خلال هذه المعجزة، قدَّم يسوع مرة أخرى آية حيَّة ومنظورة عن ذاته، بصفته فادي العالم، الذي سيخلِّص خليقته في النهاية من كل شرٍّ. أُجرِيت هذه الآية بقوة الروح القدس، الذي يعلن لنا المسيح للخلاص. وفي حين قبل الجموع هذه الآية على حقيقتها، وبهتوا (الآية 23)، ازدرى الفريسيُّون بالنعمة التي أُعلِنت لهم، وحاولوا بعنفٍ القضاء عليها.
لم يكن لدى الفريسيِّين سوء فهم، أو جهل، أو خلط، بشأن ما حدث. فقد كان إلههم الموعود به لهم واقفًا في وسطهم، يعلن كونه إله نعمة، ومحبَّة، وصلاح؛ لكنهم مع ذلك وصفوه بأنه شرِّيرٌ. فمع أن يسوع كان قد حرَّر لتوِّه رجلًا من روح شرِّير، وأعاد إليه بصره، أغلق الفريسيُّون أعينهم وصموا آذانهم عن ذلك، رافضين قبول يسوع بصفته المسيَّا. فقد فتح الروح أعينهم على حقيقة المسيح، لكنهم مع ذلك آثروا حبس أنفسهم في الظلام.
ليست الخطيَّة التي لا تُغفَر هي زلَّة عرضيَّة، أو لحظة شاردة من عدم التوقير؛ كما أنها ليست ارتكابًا متعمَّدًا للخطيَّة، في حين يعلم المرء أنه ينبغي ألَّا يرتكبها. فجميع خطايا الذين يتطلَّعون إلى المسيح بصفته رجاءهم الوحيد للخلاص هي مغفورة.
كذلك، الخطيَّة التي لا تُغفَر ليست عداء عن جهل ضد الكنيسة، أو احتقارًا للمسيحيَّة. فالرسول بولس نفسه، المضطهد للكنيسة سابقًا (أعمال الرسل 9: 4)، قال عن نفسه: “أَنَا ٱلَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلَكِنَّنِي رُحِمْتُ، لِأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْلٍ فِي عَدَمِ إِيمَانٍ. وَتَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا مَعَ ٱلْإِيمَانِ وَٱلْمَحَبَّةِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ” (1 تيموثاوس 1: 13-14).
لكن أولئك الذين يتمرَّدون على إعلان الروح القدس، والذين أُعلِن لهم لطف الآب ورحمته بواسطة موت ابنه نيابة عنهم، لكنهم على الرغم من ذلك يدعون الخير شرًّا، والدواء سمًّا، وما من السماء بأنه من الجحيم، فهؤلاء لن يُغفَر لهم البتَّة. فالأمر لا يتعلَّق ببساطة بكونهم لم يعرفوا الحق، بل بكونهم عرفوه وأبغضوه. فالتجديف على الروح القدس معناه أن ترفض النعمة نفسها التي أُعلِنت لك في المسيح. ودون المسيح، لا يمكن أن يكون هناك غفران.
إن عبء خطايانا ثقيل، وثقل ذنبنا يتزايد كلما أَظهَر يوم جديد المزيد من مظاهر إخفاقاتنا وتقصيراتنا. ولهذا السبب عينه علينا أن نتذكَّر الإنجيل كل يوم، حتى نفرح مع بولس، الذي قال: “صَادِقَةٌ هِيَ ٱلْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُولٍ: أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ ٱلْخُطَاةَ ٱلَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1 تيموثاوس 1: 15).
يصعب تصديق هذا الإنجيل لأنه يبدو أبسط من اللازم. وبصفتنا مخلوقات نعرف الصواب والخطأ بالفطرة، فإننا على دراية جيِّدة بالإخفاق والذنب. لكن النعمة تبدو لنا غير منطقيَّة، ويبدو إنجيل الغفران دائمًا أروع من أن يكون حقيقيًّا. لكن، في حين اعتادت شكوكنا التفتيش في الصفحات الفرعيَّة والمحيِّرة لكتابنا المُقدَّس، باحثين عن أي شيء يمكن أن يؤكِّد حُكم الدينونة الذي نصدره على أنفسنا، يقول حق الإنجيل إنك إن تطلَّعتَ إلى المسيح بصفته الطريق الوحيد للخلاص، لن توجد خطيَّة إلَّا ويغفرها الله لك. ففي يسوع، غُفرت لكم جميع خطاياكم.
وتلك هي الرسالة التي دعا يسوع خاصته إليها طوال الألفي سنة الأخيرة، وهي الرسالة نفسها التي يدعوك اليوم إليها: “قَدْ كَمَلَ ٱلزَّمَانُ وَٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِٱلْإِنْجِيلِ” (مرقس 1: 15).
وبناء على موت يسوع على الصليب، تُغفَر جميع خطاياك. وبواسطة الإيمان بعمله المكتمل، تأتي إليك هذه النعمة القويَّة هنا والآن (أفسس 2: 8-9). هذا أمر لا يتغيَّر، ولن يتغيَّر البتَّة. فما من ضعف يشوب ذبيحة يسوع، ويجعلها تخفق في ستر أيٍّ من خطاياك (العبرانيين 10: 12). ففي المسيح، لا حدَّ لنعمة الله يمكن أن يدفعه إلى حرمانك من هذا الصفح. فإذا كنت تؤمن برسالة الإنجيل، التي مفادها أن المسيح مات نيابة عنك، لن تعرف رحمة الله من نحوك حدودًا.
كالي جاكوب ميزا
