
بقلم مارك ڤروخوپ
المسافة البينية
إن انتظار أي شيء يبدو وكأنه مضيعة للوقت. بل والأسوأ من ذلك – على ما يبدو – انتظار الله أن يتحرك أو يستجيب. يبيّن لنا سفر المراثي 3: 25–27 قيمة العيش في المسافة بين المعاناة واسترداد المسلوب. إنَّ الرثاء مفيد جيدًا لنا حين نحزن وننتظر.
طَيِّبٌ هُوَ ٱلرَّبُّ لِلَّذِينَ يَتَرَجَّوْنَهُ،
لِلنَّفْسِ ٱلَّتِي تَطْلُبُهُ.
جَيِّدٌ أَنْ يَنْتَظِرَ ٱلْإِنْسَانُ
وَيَتَوَقَّعَ بِسُكُوتٍ خَلَاصَ ٱلرَّبِّ.
جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْمِلَ ٱلنِّيرَ فِي صِبَاهُ.
ما لا يمكنك رؤيته في ترجمتك العربية هو أنَّ الآيات من 25 إلى 27 تبدأ جميعها بالكلمة العبرية “جيد.”[1]فيجوز أن نقرأ المقطع هكذا:
جيّد هو الرب للذين يترجَّونه،
جيّد أنْ ينتظر الإنسان بهدوء خلاص الرب،
جيّد أنْ يحمل الشاب نيره في شبابه.
من الواضح أنَّ هناك شيئًا جيدًا هنا. فما هو؟ أن تترجّى الرب معناه أن تضع رجاءك فيه – أن تثق في أن الله هو الذي سينقذك. أن تنحصر ثقتك كلها فيه. فننتظر الرب لأنه هو الله، لا نحن.
لماذا الأمر صعب للغاية؟
لماذا الانتظار صعب للغاية؟ لأنه يبدو لنا أننا لا نفعل أي شيء. وهذا هو المقصود: أنك لا تفعل أي شيء، بل الله هو الذي يفعل. ومع ذلك فإنَّ الانتظار هو أحد أعظم تطبيقات الإيمان المسيحي، حيث تُلقِي رجاءك على الله، وتضع ثقتك فيه، وتعبّر عن ثقتك في أنَّه هو المسيطر. يضعنا الانتظار في مكان غير مريح حيث نكون غير مسيطرين على حياتنا. هذا ما يُدعَى بـ “الصبر النشط.” هذا هو الوقت الذي يشكّلنا فيه الله ويحدِّد هويتنا أكثر من أي وقت عداه.
ومع ذلك، فأنا لا أقول إنَّ الانتظار سهل. فقد يسبّب عدمُ اليقين بشأن ما قد يحدث أو لا يحدث إزعاجًا كبيرًا. وقد يشغل مساحة كبيرة من تفكيرنا. لقد سمحتُ له بأن يؤثِّر على نومي ويجتاح ذهني بالأفكار المقلقة بمجرد استيقاظي. قد يكون الانتظار صعبًا بسبب الخوف مِمَّا قد يحدث. وعدم قدرتنا على عمل أي شيء سوى الانتظار لابُدّ وأن يُشعِرنا بقلّة الحيلة. فنحن نريد أن نعرف الجواب؛ نريد أن نعرف ما الذي يجري؛ نريد أن نعرف: “ما الهدف من ذلك؟ لماذا يحدث هذا؟ لماذا حياتي ليست كما أريد؟”
بدلًا من مقاومة هذا الوقت، يمكننا أن ننظر إلى الانتظار باعتباره فرصة لتعلّم دروس من شأنها تغيير حياتنا. وهذا أحد الأسباب التي جعلت مراثي 3: 27 يقول إنَّه من الجيد للرجل أن يحمل النير في شبابه. إنَّ معرفة قيمة الانتظار مبكرًا في الحياة هو هدية رائعة.
إذا كنتَ في حالة انتظار، دَع الرثاء يذكّرك أنَّ الانتظار ليس مضيعة للوقت. وفي رثائك، لماذا لا تتخلّى عن سيطرتك على حياتك وتقول: “يا إلهي، لا أعرف ما تفعله أو سبب ما تفعله، لكنني أثق أنك أنت الله، لا أنا”؟ إذا كانت العناية الإلهية تتطلّب منك الانتظار، فذكّر قلبك بأنَّ خيرًا وفيرًا يمكن أن ينتج عن هذا الوقت. الرب يرغب في أن يعلّمنا العديد من الدروس، وغالبًا ما تأتي هذه الدروس ببطء – بعد أن نتوقّف عن المحاولة بقدرتنا الشخصية، في مرحلة نكون عندها مُحطَّمين ومستعدين له أن يقودنا. في خِضَمّ الألم، تذكّر أنَّ انتظار الرب ليس مضيعة للوقت.
لم نسمع الكلمة الأخيرة بعد
المعاناة غالبًا ما تشتمل على الخوف من أنَّها لن تنتهي أبدًا أو أنَّها بلا غرض. هذا هو السبب في أن الكتاب المُقدَّس يصرِّح بأنّ المعاناة ليست صاحبة الكلمة الأخيرة. إنَّ الوعود الكتابية بشأن مقاصد الله، وشخصه، والمستقبل مُصمَّمة كلها لتذكيرنا بأن الألم والمعاناة لن ينتصران في النهاية.
الرثاء لا يكتفي بالنوح على الكسرة والمعاناة، بل يتطلّع بترقّب إلى المستقبل المنشود. ها مراثي 3: 31–32 يَعِدنا بالرجاء والتشجيع:
لِأَنَّ ٱلسَّيِّدَ لَا يَرْفُضُ إِلَى ٱلْأَبَدِى.
فَإِنَّهُ وَلَوْ أَحْزَنَ يَرْحَمُ
حَسَبَ كَثْرَةِ مَرَاحِمِهِ.
تُؤكِّد لنا هذه الآيات أنّ كل معاناة لها حدود وغرض. وتذكّرنا بأنّ خطّة الله لنا مليئة بالرحمة وعامرة بمحبته الراسخة. فكل شيء يسير وفق ما خطّطه في محبته لحياة المؤمن.
في وقت ما في المستقبل، سنسمع الكلمة الأخيرة – حين يتدخّل الله. والرثاء هو إحدى الطرق التي نتحدَّى بها المعاناة ونقول: “الأمر لم ينته!” في الواقع، يمكن للألم الذي يسبِّب الرثاء أن يخلق شوقًا إلى المستقبل مثل أي شيء آخر. فرُبَّما تحتاج إلى التوقّف وشكر الرب على أنَّ “الأمر لم ينته بعد.” يشتاق المؤمنون إلى اليوم الذي يصبح فيه الإيمان عيانًا. وحتَّى ذلك الحين، نحن نمارس الرثاء بإيمان.
من الأماكن المفضلة عندي لممارسة الرثاء المقبرة التي دُفِنَت فيها ابنتنا التي وُلِدَت ميتة. لن أنسى أبدًا الإحساس بالخسارة العميقة حين دفنتُ نعشها الصغير في الأرض الباردة في منتصف الشتاء. وكم كان مؤلمًا لي ولزوجتي أن نفارق قبرها! قد يظن المرء أنني لن أرغب أبدًا في العودة إلى ذلك المكان بسبب تلك الذكريات المؤلمة المرتبطة به. لكنَّ العكس صحيح.
على شاهد قبر ابنتنا سيلڤيا التي وُلِدَت ميتة عبارة محفورة تقول: “ليكن اسم الرب مباركًا” من أيوب 1: 21. هذه الكلمات احتجاج صغير على مأساة الموت. إنَّها تذكار بأننا حتَّى عندما نواجه الموت، فإننا نبارك الرب. لقد وقفتُ عند ذلك القبر باكيًا وقلت: “الأمر لم ينته! في يوم من الأيام، سوف يصحّح يسوع هذا الوضع.” لذلك أحبّ أن أعود إلى ذلك القبر، لأنَّه يذكّرني دائمًا بأنّ الرب لم يثبت رحمته معي خلال سنوات الحزن والألم فحسب، ولكن سيأتي كذلك يوم تفرغ فيه القبور وينهزم فيه الموت. فالرثاء من شأنه أن يوجِّه قلوبنا نحو الانتصار المستقبلي. ورغم الدموع، نحن لا زلنا نؤمن أنَّنا لم نسمع الكلمة الأخيرة بعد.
المحتوى مقتبس منDark Clouds, Deep Mercy بقلم مارك ڤروخوپ. ظهر هذا المقال لأول مرَّة على موقع Crossway.org؛ ومُصرَّح لنا باستخدامه.
[1] F. B. Huey, Jeremiah, Lamentations, The New American Commentary, (Nashville: Broadman & Holman, 1993), 474.
