
بقلم. مايكل كروگر
على مدار السنوات، اتَّخذت الاعتراضات على سلطة الكتاب المُقدَّس الكثير جدًّا من الأشكال المختلفة. فقد أثار البعض اعتراضات تاريخيَّة، قائلين: هل نعرف حقًّا من أين جاءت هذه الأسفار؟ وهل نحن مُتيقِّنون من تواريخ كتابتها ومن هويَّة كُتَّابها؟ أثار آخرون اعتراضات تفسيريَّة، قائلين: هل يمكننا أن نفهم حقًّا ما يقوله الكتاب المُقدَّس؟ وماذا عن التفسيرات المختلفة الموجودة؟ والأهم من كلِّ ذلك، أثار البعض اعتراضات بشأن صدق الكتاب المُقدَّس، قائلين: هل الكتاب المُقدَّس محقٌّ فيما يُعلِّمه؟ وهل يناقض نفسه؟ لكن في السنوات الأخيرة، أصبح نوعٌ جديدٌ من الاعتراضات أكثر شيوعًا (مع أنه فعليًّا ليس بالنوع الجديد على الإطلاق)، وهو ليس اعتراضًا على هويَّة كُتَّاب الأسفار، أو على تفسيرها، أو حتى على ما إن كانت تناقض نفسها أم لا؛ بل في المقابل، هو اعتراض بشأن ما إن كان ما بين أيدينا في الأساس هو كلمات الكتاب المُقدَّس بالحقيقة أم لا. ففي ضوء أن الأسفار المُقدَّسة قد انتقلت إلينا عبر القرون في مخطوطات مكتوبة بخط اليد، وفي ضوء أن ما في حوزتنا اليوم ليس سوى نُسَخًا من المخطوطات الأصليَّة (وهي على الأرجح نُسَخ من نُسَخ أخرى من نُسَخ أخرى وهكذا)، فكيف يمكننا التأكُّد من أن عمليَّة النقل هذه كانت دقيقة؟ وكيف يمكننا التأكُّد من أن الكلمات لم تتغيَّر، أو تتبدَّل، أو تُفقَد؟ هذا هو الاعتراض الذي يبديه مجال النقد النصِّي. فهو لا يتعلَّق بالكيفيَّة التي يمكن أن نعرف بها أن هذه الكلمات صحيحة، بل بالكيفيَّة التي يمكن أن نعرف بها أن ما بين أيدينا الآن هو الكلمات الصحيحة.
بارت إيرمان (Bart Ehrman)، في كتابه بعنوان سوء اقتباس يسوع Misquoting Jesus، أبدى هذا الاعتراض عينه. فقد افترض أن مخطوطات العهد الجديد مليئة بأخطاء نَسْخ (بل وإن البعض منها أخطاء متعمَّدة)، لدرجة أنه من المستحيل التحلِّي بأي يقين بشأن كلمات الكُتَّاب الأصليِّين. وقال أيضًا ما مضمونه إن نص العهد الجديد خضع للتغيير — وهو تغيير جوهري يتعذَّر إصلاحه، وقع خلال المعارك التي دارت حول الهرطقات والعقيدة القويمة — بحيث لم يَعُد هناك مغزى من الحديث عمَّا كتبه بولس، أو ما كتبه متى، أو مرقس، أو لوقا. فببساطة، نحن لا نعلم ما كتبوه. فكلُّ ما في حوزتنا اليوم هو مخطوطات، يعود تاريخها إلى ما بعد زمن الرسل بمئات السنوات، وهي تختلف كثيرًا أحدها عن الأخرى. إذن، ماذا يقول “العهد الجديد”؟ قال إيرمان إن هذا يتوقَّف على المخطوطة التي تقرأها. وقال أيضًا: “ما الجدوى من أن نقول إن المخطوطات الأصليَّة كانت موحى بها؟ فهي لم تَعُد موجودة الآن! وليس لدينا اليوم سوى نُسَخ مليئة بالأخطاء، والغالبيَّة العظمى منها تبعد زمنيًّا عن المخطوطات الأصليَّة مسافة قرون، وتختلف عنها … في آلاف الأوجه”.[1]
وهكذا، استخدم إيرمان النقد النصِّي ليقول إن عقيدتي الوحي والخلو من الخطأ هما بلا معنى. فالعقيدتان مُتَّصلتان فقط بالنص الأصلي، ولا يمكننا أن نعرف ما يقوله النص الأصلي. لكن ثمة شكوك جوهريَّة حول هذه المنهجيَّة الشكوكيَّة المفرطة في التعامل مع النقد النصِّي. وردًّا على ذلك، سيُسلِّط هذا المقال الضوء على نص العهد الجديد، ويُقدِّم أربع فرضيَّات تُجسِّد منهجيَّة أكثر توافقًا مع نوع المنهجيَّات الذي كان متبعًا قديمًا في مجال النقد النصِّي.
وفي حال كانت هذه الفرضيَّات الأربع صالحة ومقبولة، سيصبح لدينا أسباب وجيهة للاعتقاد بقدرتنا على استعادة نص العهد الجديد إلى حدٍّ قريب للغاية من النص الأصلي، لدرجة ألَّا يكون هناك اختلاف جوهري بين ما كتبه مرقس أو متى، على سبيل المثال، وما هو بين أيدينا اليوم.
الفرضيَّة الأولى
لدينا أسباب وجيهة تدعونا إلى الاعتقاد بأن النص الأصلي محفوظ (في مكانٍ ما) في التقليد النصِّي الإجمالي
الخطوة الأولى للإجابة عن تلك الأسئلة المتعلِّقة بنقل نص العهد الجديد هي اكتساب فهم أفضل عن المخطوطات الموجودة بين أيدينا اليوم. فإن المناقشات حول ما إن كان نصٌّ ما قد “تغيَّر” تنطوي دائمًا على مقارنة بين المخطوطات. وفي أثناء سعي الباحثين إلى معرفة مدى التغيُّر الذي طرأ على أيَّة وثيقة قديمة، والأهم من ذلك، في أثناء سعيهم إلى التأكُّد ممَّا كانت هذه الوثيقة تقوله في الأصل (عن طريق تتبُّع تلك التغيُّرات عبر تقليد المخطوطة)، كلما ازداد عدد المخطوطات التي يمكن المقارنة بينها، كان ذلك أفضل. فكلما ازداد عدد المخطوطات، ازداد يقيننا في أن النص الأصلي محفوظ في مكانٍ ما عبر تقليد المخطوطة.
فيما يختص بكميَّة المخطوطات، ما من وثيقة أخرى تضاهي العهد الجديد. ومع أن العدد الدقيق للمخطوطات هو في تغيُّر دائم، لدينا في الوقت الحالي ما يزيد على 5,700 مخطوطة للعهد الجديد باللغة اليونانيَّة فقط.[2] ما من وثيقة قديمة أخرى تقترب حتى من ذلك. علاوة على ذلك، لدينا الآلاف من المخطوطات الأخرى المكتوبة بلغات أخرى. فإجمالي المخطوطات اللاتينيَّة فقط للعهد الجديد يتعدَّى 10,000 نسخة. ولدينا الآلاف أيضًا من الترجمات باللغة القبطيَّة، والأراميَّة، والقوطيَّة، والإثيوبيَّة، والأرمينيَّة، ولغات أخرى أيضًا. بالإضافة إلى كلِّ هذه المخطوطات، هناك أيضًا عدد لا يُحصَى من الاقتباسات من العهد الجديد محفوظة في كتابات آباء الكنيسة الأولى. وفي حقيقة الأمر، إن عدد هذه الاقتباسات ضخمٌ لدرجة أن بروس ميتزجر (Bruce Metzger) قال قوله الشهير: “إن هذه الاقتباسات غزيرة، لدرجة أنه إذا حدث وتعرَّضت كلُّ المصادر الأخرى لمعرفتنا عن نص العهد الجديد للتلف، ستكون هذه الاقتباسات وحدها كافية فعليًّا لاستعادة العهد الجديد بأكمله”.[3]
هذا السيناريو لافت للنظر حقًّا من المنظور التاريخي. قال إلدون إب (Eldon Epp): “لدينا إذن قدر أكثر من كافٍ من المخطوطات … ولم تُحفَظ كتابات أيِّ كاتب يوناني كلاسيكي آخر بهذا القدر”.[4] ومن ثَمَّ، فالعهد الجديد هو أكثر وثيقة قديمة يوجد لها قدر وافٍ من المخطوطات، لدرجة أنه يصير في مقدورنا التحلِّي بيقين منطقي في أن النص الأصلي محفوظ وسط هذه النسخ الكثيرة. وقال إب: “لدينا الكثير جدًّا من مخطوطات العهد الجديد … لدرجة أن النص الأصلي لا بد أن يكون موجودًا بكل تأكيد في مكان وسط هذا العدد الضخم من الوثائق”.[5] اتَّفق جوردون في (Gordon Fee) مع هذا الرأي قائلًا: “إن وجود هذا القدر الضخم من الوثائق إنما هو لمِن حُسن حظ علماء النقد النصِّي للعهد الجديد … لأنه بهذا القدر الغزير من الوثائق، يمكن للمرء أن يتحلَّى منطقيًّا باليقين في أن النص الأصلي موجود حتمًا في مكانٍ ما فيها”.[6] بتعبير آخر، بسبب العدد الضخم من المخطوطات، يصير التحدِّي الذي يواجهه النقد النصِّي مختلفًا عمَّا يمكن توقُّعه. فالتحدِّي لا يتعلَّق إذن بافتقارنا إلى الوثائق (كما لو أن الكلمات الأصليَّة قد فُقِدت)، لأن لدينا عدد زائد عن الحد من الوثائق (التي تحوي الكلمات الأصليَّة بالإضافة إلى بعض الاختلافات).
الفرضيَّة الثانية
الغالبيَّة العظمى من التغيُّرات ثانويَّة وعديمة الأهميَّة
بعدما رأينا أن لدينا أسبابًا وجيهة تدعونا إلى الاعتقاد بأن النص الأصلي متاحٌ بين أيدينا بداخل تقليد المخطوطات (بالإضافة إلى بعض اختلافات النَّسخ)، سنولي اهتمامنا الآن بشكل مباشر لهذه الاختلافات في النَّسخ. هل تُمثِّل هذه الاختلاف مشكلة كبرى؟ وما مدى الاختلاف بين المخطوطات التي بين أيدينا اليوم؟ ربما يظن أحدهم أننا نستطيع أن نجمع عدد كلَّ الاختلافات النصِّيَّة، فتصبح لدينا الإجابة عن هذه الأسئلة. لكن، كما سنرى لاحقًا، الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمُن ببساطة في تقديم قيمة عدديَّة. يتَّفق كلُّ الباحثين معًا على وجود الآلاف من الاختلافات النصِّيَّة بين مخطوطاتنا الكثيرة، ربما تصل إلى 200,000 اختلافًا نصِّيًّا، لكن لا أحد يعلم عددها الدقيق. بدا إيرمان مُتلهِّفًا على افتراض أعداد تفوق ذلك أيضًا: “يقول البعض إن هناك 200,000 اختلافًا معروفًا، ويقول آخرون إن هناك 300,000 اختلافًا، وآخرون يشيرون إلى 400,000 اختلافًا أو أكثر!”[7] وفي حقيقة الأمر، تُمثِّل الأعداد أهميَّة كبيرة لدى إيرمان. فبالنسبة له، يُشكِّل عدد الاختلافات وحده العامل الفيصلي والكافي، في ذاته، لاستنتاج أن العهد الجديد غير جدير بالثقة. بل وقد أدلى أيضًا بالتصريح الجوهري التالي: “هناك اختلافات بين مخطوطاتنا تفوق عدد كلمات العهد الجديد نفسها”.[8] بغض النظر عن حماس إيرمان الإحصائي، الأعداد وحدها لا تكفي لحسم هذا الأمر.
فما تغفل عنه منهجيَّة الاكتفاء بالأعداد وحدها في تقييم الاختلافات النصِّيَّة هو نوع الاختلاف النصِّي الموجود. فالمسألة لا تتعلَّق فقط بالكم، بل بالكيف أيضًا. فالغالبيَّة العظمى من الاختلافات النصِّيَّة في العهد الجديد هي اختلافات من المشروع اعتبارها اختلافات “عديمة الأهميَّة”.[9] يعني ذلك أن هذه الاختلافات النصِّيَّة ليس لها تأثير على “الهدف الأساسي المختص بالتوصُّل إلى النص الأصلي”.[10] فهي مُجرَّد هفوات نَسْخ طفيفة وعادية يمكن أن تحدُث في أيَّة وثيقة قديمة (سواء العهد الجديد أو غيره)؛ ومن ثَمَّ، فهي ليست مصدر قلق حقيقيٍّ للباحث النصِّي، ولا تؤثِّر قطعًا في تقييمنا لما إن كانت وثيقةٌ ما قد انتقلت إلينا على نحو جدير بالثقة أم لا. من أمثلة هذه الاختلافات: اختلافات في التهجئة، وتغييرات تافهة في ترتيب الكلمات، وما شابه ذلك. وعلى الرغم من الغزارة الشديدة لهذه الأنواع من التغييرات (كان إيرمان محقًّا في ذلك)، لكنها تغييرات عديمة الأهميَّة تمامًا. ومن ثَمَّ، فإن حساب إجمالي الاختلافات النصِّيَّة ليس تصرُّفًا سليمًا من جهة تحديد موثوقيَّة النقل النصِّي.
كذلك، تخفق منهجيَّة الاكتفاء بالأعداد وحدها لتقييم الاختلافات النصِّيَّة في الأخذ في الاعتبار الشيء نفسه الذي ذكرناه أعلاه، ألا وهو القدر الضخم من المخطوطات الذي بين أيدينا. فمن البديهي أنه إذا كانت لدينا خمس مخطوطات يونانيَّة فحسب للعهد الجديد، سيصبح لدينا عدد قليل جدًّا من الاختلافات النصِّيَّة التي يلزم تعليلها. لكن بما أن لدينا ما يزيد على 5,000 مخطوطة يونانيَّة (ناهيك عن المخطوطات الأخرى المكتوبة بلغات أخرى)، فسيزداد القدر الإجمالي من الاختلافات النصِّيَّة إلى حدٍّ كبير، لأن العدد الإجمالي من المخطوطات قد ازداد إلى حدٍّ كبير. فكلما ازداد عدد المخطوطات التي يجب المقارنة بينها، ازداد عدد الاختلافات التي يمكن اكتشافها. وهكذا، فإن العدد الإجمالي من الاختلافات ليس دليلًا على عدم أمانة النسخ (حسبما افترض إيرمان)، لكنه ببساطة النتيجة الطبيعيَّة لوجود عدد من المخطوطات يفوق مخطوطات أي نص قديم آخر.
الفرضيَّة الثالثة
من بين العدد القليل من الاختلافات التي تُمثِّل أهميَّة، يمكن لمنهجيَّتنا أن تُحدِّد، بدرجة معقولة من اليقينيَّة، أيٌّ من هذه الاختلافات هو النص الأصلي
حتى وإن كانت الغالبيَّة العظمى من الاختلافات النصِّيَّة عديمة الأهميَّة والتأثير من جهة تحديد النص الأصلي للعهد الجديد، يتبقَّى القليل من الاختلافات النصِّيَّة التي يمكن اعتبارها “مهمة”، بمعنى أنها تُغيِّر بشكلٍ ما من معنى النص. وهكذا، نستطيع أن نستنتج أن هذه الأنواع من الاختلافات تُشكِّل تحديًا حقيقيًّا أمام نزاهة نص العهد الجديد (ومن ثَمَّ، فهي تُشكِّل تحديًا أمام عقيدتي الخلو من الخطأ والوحي). إلَّا أن استنتاجًا كهذا من شأنه أن يُبنَى على افتراض عدم وجود أيَّة وسيلة لتحديد أيٍّ من هذه الاختلافات المهمة هي النصوص الأصليَّة وأيَّها ليست كذلك. بتعبير آخر، من شأن الاختلافات المهمة أن تُمثِّل إشكاليَّة إن افترضنا أن كلَّ اختلاف منها يصلح بالقدر نفسه أن يكون النص الأصلي. والمشكلة التي تَكمُن في افتراضٍ كهذا هي أنه يوجد في تناقُض مباشر مع تاريخ النقد النصِّي ككلٍّ — بل ومع وجود هذا المجال في حدِّ ذاته — الذي أكَّد باستمرار أن ليس جميع الاختلافات النصِّيَّة صالحة بالقدر نفسه أن تكون هي القراءة الأصليَّة، وأن منهجيَّتنا قادرة على أن تُحدِّد (بدرجة معقولة من اليقينيَّة) أيٍّ من هذه الاختلافات هو النص الأصلي. إذا كان هذا صحيحًا، فإن هذه الاختلافات النصِّيَّة “المهمة” القليلة ليس لها تأثير جوهري على نزاهة نص العهد الجديد، لأننا ببساطة نستطيع في المعتاد رصدها أينما وُجِدت.
على سبيل المثال، يَرِد واحدٌ من أكثر هذه الاختلافات “المهمة” التي يشار إليها في 1 يوحنا 5: 7-8، ذلك النص الذي يُعرَف باسم الفاصلة اليوحناويَّة (Comma Johanneum). فإن الجزء المكتوب بالخط الغليظ في الآيات التالية لا يرد إلَّا في عدد قليل من المخطوطات: “فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: الْآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ. وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الْأَرْضِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلَاثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ”. فمن بين آلاف المخطوطات اليونانيَّة، تحوي ثماني مخطوطات فقط هذه القراءة المختلفة، منها أربع مخطوطات قام فيها الكاتب أو الناسخ بإدراج هذه القراءة المختلفة في هامش النص؛ ويعود تاريخ أقدم هذه المخطوطات إلى القرن العاشر الميلادي. علاوة على ذلك، هذه القراءة المختلفة غير مشهودٍ لها من أيٍّ من الآباء اليونانيِّين، كما أنها غائبة عن كلِّ الترجمات القديمة تقريبًا. وفي نهاية المطاف، على الرغم من حقيقة أن هذه القراءة المختلفة وجدت طريقها إلى النصِّ المستلَم (Textus Receptus) (ومن ثَمَّ إلى ترجمة الملك جيمس الإنجليزيَّة)، يدحض البرهان النصِّي بشكل قاطع كونها ضمن النص الأصلي لرسالة يوحنا. كيف عسانا نتصرَّف إذن حيال هذه القراءة المختلفة (واختلافات نصِّيَّة أخرى نظيرها)؟ لا أحد يستطيع التشكيك في كون هذا الاختلاف “مهمًّا”، لأنه يؤثر في الفهم اللاهوتي لهذه الآية. لكن ببساطة، ليس في هذا الاختلاف ما يدعم أصالته، ومن ثَمَّ فهو لا يؤثِّر في قدرتنا على التوصُّل إلى النص الأصلي للعهد الجديد.
الفرضيَّة الرابعة
العدد المتبقِّي من الاختلافات النصِّيَّة غير المحسومة قليل للغاية ولا يُمثِّل أهميَّة لقصة أو تعليم العهد الجديد
ذكرنا أعلاه أنه حتى الاختلافات النصِّيَّة “المهمة” لا تُمثِّل إشكاليَّة لنزاهة نص العهد الجديد، لأن منهجيَّتنا في النقد النصِّي تتيح لنا أن نُحدِّد، بدرجة معقولة من اليقينيَّة، أيَّها هو النص الأصلي. لكن يتبقَّى لدينا عدد قليل جدًّا من الاختلافات المهمة، التي لا تتمكَّن منهجيَّاتنا دائمًا من التوصُّل فيها إلى استنتاج يقيني في أيِّ اتجاه. في هذه الحالة، ربما تكون لدينا قراءتان (أو أكثر) مختلفتان، لا نعلم عن يقين أيهما هي القراءة الأصليَّة. على سبيل المثال، في مرقس 1: 41، رأى يسوع رجلًا أبرص، “فَتَحَنَّنَ” عليه. بعض المخطوطات الأخرى تقول إنه عندما رأى يسوع الأبرص “امتلأ غضبًا”. ومع أن البراهين الخارجيَّة تُرجِّح القراءة “تَحَنَّن”، بعض الاعتبارات الداخليَّة الأخرى (على سبيل المثال، أيَّة قراءة منهما من المحتمل أن يكون الكاتب قد أجرى تعديلًا عليها؟) تفترض أن القراءة الأصليَّة ربما تكون “امتلأ غضبًا”. باختصار، يصعب معرفة أيَّة قراءة منهما هي القراءة الأصليَّة.
هنا، إذن، نأتي إلى الحالات النادرة التي فيها تكون قراءة مُعيَّنة في نص العهد الجديد غير واضحة. هل توحي هذه الحالات بوجوب تخلِّينا عن عقائد من قبيل الوحي أو الخلو من الخطأ؟ وهل نحن في حاجة إلى أن نتحلَّى بيقين مطلق بنسبة 100% بشأن كلِّ اختلاف نصِّي كي نقبل أن يكون الله قد تكلَّم إلينا على نحو موثوق في الكتاب المُقدَّس؟ كلَّا البتَّة. ففي تلك الحالات النادرة، نظير مرقس 1: 41، يبدو واضحًا أن كلتا القراءتين مُتَّفقة مع تعاليم الكتاب المُقدَّس. ومع أن عبارة “امتلأ غضبًا” تُغيِّر بالتأكيد من فهمنا للنص، كان يسوع على الأرجح يُعبِّر عن “سخط بارٍّ ومُقدَّس من الأضرار التي تُسببِّها الخطيَّة”[11] للعالم، ولا سيما للرجل الأبرص. هذا المنظور عن يسوع متناسبٌ تمامًا مع بقيَّة إنجيل مرقس، حيث عبَّر يسوع عن غضبه في مرقس 3: 5 في مواجهته مع الفريسيِّين، وكذلك في مرقس 10: 14 عندما غضب من تلاميذه. لكنه منظور متناسبٌ أيضًا مع شخصيَّة يسوع في الأناجيل الأخرى، ولا سيما نص يوحنا 11: 33، حيث وقف يسوع في مواجهةٍ مع أزمة لعازر، ويخبرنا النص بأنه “انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ”، وهو التعبير الذي يُعَد فهمٌ أفضلٌ له هو أنه شعر “بالغضب، أو الثورة، أو السخط”.[12] لكن هل غضب يسوع من لعازر؟ كلا، بل يوحي السياق بأنه غضب من الخراب الذي تُسبِّبه الخطيَّة للعالم، ولا سيما للعازر. وفي النهاية، بغض النظر عن أيٍّ من هاتين القراءتين هي القراءة الأصليَّة لنص مرقس 1: 41، لا تتعارض أيٌّ منهما مع شخصيَّة يسوع الظاهرة في العهد الجديد.
علاوة على ذلك، في ضوء الندرة الشديدة للاختلافات غير المحسومة المتبقِّية، لن يكون من المنطقي تمامًا أن نستنتج، بناءً على هذه الحالات، أننا “لا نعرف فعليًّا ما هي الكلمات الأصليَّة للكتاب المقدس”.[13] هذه مبالغة كبرى غير مترتِّبة على البراهين التي رأيناها. فحتى في وجود هذه الاختلافات غير المحسومة المتبقِّية، تظل رسالة العهد الجديد سليمةً كما هي إلى حدٍّ كبير، ولا تصير موضع شك على الإطلاق. فكلُّ التعاليم الجوهريَّة للعهد الجديد — سواء كانت تتعلَّق بشخص يسوع (لاهوته وناسوته)، أو بعمل يسوع (حياته، وموته، وقيامته من بين الأموات)، أو بتطبيق عمله على حياة المؤمن (التبرير، والتقديس، والتمجيد)، أو بعقائد أخرى غيرها — تظلُّ دون تأثُّر بالاختلافات النصِّيَّة غير المحسومة المتبقِّية. ومن ثَمَّ، فلا تكمُن أيَّة إشكاليَّة أو تناقض في قولنا إننا نؤمن بوحي تلك التعاليم أو بخلوِّها من الخطأ.
ففي النهاية، يجب أن نحترس من السقوط في الفصل الزائف الذي تتَّسم به منهجيَّة إيرمان. فبالنسبة له، السعي للوصول إلى النص الأصلي هو إلى حدٍّ ما سعيٌ “إلى الكل أو إلى لا شيء على الإطلاق”. فإما أننا نعرف كلمات النص الأصلي في يقين مطلق بشأن كلِّ حالة فرديَّة بلا استثناء (بمعنى أن تكون لدينا المخطوطات الأصليَّة، أو نسخ مثاليَّة ودقيقة من المخطوطات الأصليَّة)، وإما أننا نفتقر إلى أيَّة ثقة على الإطلاق بكلمات النص الأصلي. فإما هذا أو ذاك. وما الدافع الذي يسوق هذا الفصل الحاد؟ في ختام كتاب Misquoting Jesus، كشف إيرمان عن الفرضيَّة اللاهوتيَّة الأساسيَّة الكامنة وراء فكره، قائلًا: “إذا كان [الله] قد أراد أن يحصل شعبه حقًّا على كلماته الفعليَّة، لكان قطعًا قد حفظ هذه الكلمات بطريقة معجزيَّة، تمامًا مثلما أوحى بها من الأساس بطريقة معجزيَّة”.[14] بتعبير آخر، إذا كان الله قد أوحى حقًّا بالعهد الجديد، فلن تكون هناك أيَّة اختلافات نصِّيَّة على الإطلاق. لكن هل عقيدة الوحي تتطلَّب حقًّا أنه بمجرد كتابة أسفار الكتاب المُقدَّس، يضمن الله بطريقة معجزيَّة ألَّا يخطئ أحدٌ في تدوينها؟ وهل علينا حقًّا أن نؤمن بأن الوحي يتطلَّب ألَّا يرتكب أيُّ شخص بالغ، أو أيُّ طفل، أو ناسخ، أو باحث، أو أي شخص آخر، أيَّ خطأ عند تدوينه مقطعًا من الكتاب المُقدَّس طوال تاريخ البشر؟ أم أن إيرمان يرفض أن يكون الله قد أعطى أيَّ إعلانٍ قبل ظهور ماكينات الطباعة؟ (لكن أخطاءً ارتُكِبت أيضًا بعد ظهورها). يبدو واضحًا أن إيرمان قام بفحص وثائق العهد الجديد بقناعة مسبقة بأن الوحي يستلزم عدم وجود أيَّة اختلافات نصِّيَّة، وهو المقياس الذي لا يمكن بلوغه البتَّة في العالم التاريخي الحقيقي للقرن الأول.
في المقابل، يجب أن نتذكَّر أن الله اختار أن يعطي الكتاب المُقدَّس في الزمن الحقيقي. ومع أننا لسنا نتحلَّى بيقين مطلق بشأن النص الأصلي في كلِّ حالة فرديَّة، لكننا نتحلَّى بيقين كافٍ بشأن النص الأصلي، يُمَكِّننا من الثقة بأن ما بين أيدينا اليوم هو التعليم الموثوق الذي قدَّمه يسوع ورسله. وبما أن هذا التعليم الموثوق متاحٌ بين أيدينا اليوم، فلا شيء يستدعي منَّا عدم التصديق على وحيِهِ وخلوِّه من الخطأ.
[1] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus (San Francisco: Harper Collins, 2005), 7.
[2] تختلف المخطوطات في الحجم، فالبعض منها عبارة عن قصاصات، ولا تحوي إلَّا أجزاء صغيرة من العهد الجديد، والبعض الآخر أكثر اكتمالًا، وتحوي غالبيَّة نص العهد الجديد (إن لم يكن نص العهد الجديد بأكمله).
[3] Bruce M. Metzger, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (New York: Oxford University Press, 1992), 86.
[4] Eldon Jay Epp, “Textual Criticism,” in The New Testament and Its Modern Interpreters, eds. Eldon Jay Epp and George W. MacRae (Atlanta: Scholars Press, 1989), 91.
[5] Epp, “Textual Criticism,” 91
[6] Gordon D. Fee, “Textual Criticism of the New Testament,” in Studies in the Theory and Method of New Testament Textual Criticism, eds. Eldon Jay Epp and Gordon D. Fee (Grand Rapids: Eerdmans, 1993), 6.
[7] Ehrman, 89
[8] Ehrman, 90.
[9] Eldon Jay Epp, “Toward the Clarification of the Term ‘Textual Variant,'” in Studies in the Theory and Method of New Testament Textual Criticism, eds. Eldon Jay Epp and Gordon D. Fee (Grand Rapids: Eerdmans, 1993), 57.
[10] Epp, “Toward the Clarification of the Term ‘Textual Variant,'” 57.
[11] William L. Lane, The Gospel According to St. Mark (Grand Rapids: Eerdmans, 1974), 86.
[12] D. A. Carson, The Gospel According to John (Grand Rapids: Eerdmans, 1991), 415.
[13] Ehrman, 14.
[14] Ehrman, 211.
