بقلم دان وارن

لِمَاذا يَنبغِي أنْ نضعَ ثقتَنا في الكتابِ المقدسِ؟

بقلم دان وارن

ذات مرةٍ، سألتُ القسَّ واللاهوتيَّ الإسبانيَّ خوسيه دي سيغوفيا عما قد يقولُه لمن يتحسسونَ خطواتهم نحو قراءةَ الكتابِ المقدسِ. فكان له أن يجاوبَ على هذا السؤالِ بطرقٍ عدة، لكنه صرَّح بهذا القولِ الذي لن أنسَاهُ أبدًا:

“الكتابُ المقدسُ، كتابٌ لا يمكنُ لقراءةِ صفحاتِه أنْ تدعَ لنا مجالًا لعدمِ المبالاةِ ِ، فسيزعجُ هذا الكتابُ من يقرأُه. وسيُربِكُ مفاهيمَنا؛ لأنه كتابٌ لا مثيلَ له بينَ الكتب، فهو يسمو فوقَ جميعِها”.[1]

فهل يساورُك القلقُ من قراءةِ الكتابِ المقدسِ؟ ربما بدلًا من ذلك، كنت تودُّ البقاءَ غيرَ مبالٍ به، لكنكَ عندما تقرأُه ستشعرُ بشيءٍ من القلقِ وعدمِ الاستقرارِ. فيثير ذلك حيرتَك “هل يمكنني حقًّا أنْ أضعَ ثقتي بهذا الكتابِ؟”

توجد أربعةُ أسباب رئيسة وراء إيماني بأن علينا الثقةَ بالكتابِ المقدسِ.

١. الكتابُ المقدسُ يعلن أنهُ موحى بهِ من اللهِ

قد تقول “انتظرْ لحظة”، قولُك هذا يَعني أنكَ تطبقُ مفهومَ الاستدلالِ الدائريّ (المغالطةِ المنطقيةِ)، فتفترضَ أنَّ ما تريدُ إثباتَ صحتِه (وحيَ الكتابِ المقدسِ) هو صحيحٌ بالفعلِ، ثم تستخدمُه هو ذاتُه كدليلٍ على صحتِه وهذا لا يثبتُ أيَّ شيءٍ!” ربما هذا صحيحٌ، لكن من المهمِّ أن نبدأَ من هذه النقطةِ. فأيًّا كانت نظرتنا للكتابِ المقدسِ، يجب أنْ نقرَّ بما يعلنُه الكتابُ المقدسُ عن نفسِه.

كتبَ الرسولُ بولس في 2 تيموثاوس 3: 16 أنَّ “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ.” فالكتابُ المقدسُ ذاتُه حتى الكلمةِ الأخيرةِ فيه، يعلن أنهُ كلمةُ الله الموحَى بها. علاوةً على ذلك، يستشهدُ أنبياءُ العهدِ القديمِ بإعلاناتِ الأَنْبِيَاءِ الأَوَّلِينَ على أنها إعلاناتٌ موحى بها من اللهِ، ومن ثمَّ فهي موضعُ ثقةٍ (زكريا 7: 7). يقولُ الرسولُ بطرسُ إن كتاباتِ بولسَ يصعبُ فهمُها، لكنها تُعدُّ أسفارًا مقدسةً (2 بطرس 3: 16). وأثناء التجربةِ على الجبلِ، نظرَ يسوعُ نفسُه إلى وصايا العهد القديم على أنها عطيةٌ إلهيةٌ وبالتالي يجبُ الانصياعُ لأحكامِها (متى 4)، ويستشهدُ بكتاباتِ العهدِ القديم كركيزةٍ ذات حجةٍ لتقديمِ تعليمِه (متى 5).

لذلك، يعلنُ الكتابُ المقدسُ ذاته أنهُ كلمةُ الله الموحى بها، فيحملَنا هذا الأمرُ على اتخاذِ قرارٍ؛ إذ إنَّ ما يعلنُه الكتابُ عن نفسِه يحظر علينا الإهمالَ المتعمَّدَ أو الوقوفَ موقفَ المتفرجِ. ولا يضعُنا الكتابُ المقدس سوى أمامَ خيارَيْن، إمَّا أنْ نقبلَه كسلطةٍ عُليا لحياتِنا، أو كقصةٍ خادعةٍ مضللةٍ لحياتِنا. فلا يمكنُكَ الاستمرارُ معتقدًا أنه كتابٌ ينطوي على أقوالٍ جيدةٍ لاستخدامِها، لذا ينبغي عليكَ أنْ تحدِّدَ اختيارَك.[2]

٢. الكتابُ المقدسُ لديه رسالةٌ متسقةٌ اتساقًا مذهًلا

يتمتَّعُ الكتابُ المقدسُ بالمهابةِ والنقاوةِ.[3] “كَلاَمُ الرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ، كَفِضَّةٍ مُصَفَّاةٍ فِي بُوطَةٍ فِي الأَرْضِ، مَمْحُوصَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ” (مزمور 12: 6). وتتجلَّى عظمةُ الكتابِ المقدسِ ونقاوةُ كلامِه في اتِّساق رسالتِه الرائعةِ، وهي أنَّ مجدَ الله أُعلِن في خلاصِ الخطاةِ بالإيمانِ بيسوع المسيحِ (لوقا 24: 37؛ يوحنا 5: 39).

كما امتدَّ تكوينُ الكتابِ المقدسِ وكتابتُه لآلافِ السنين، فشملَ كُتَّابًا كثيرينَ على مستوياتٍ مختلفةٍ من التعليمِ والخبراتِ الحياتيةِ ومن بقاعٍ جغرافيةٍ مختلفةٍ وخلفياتٍ ثقافيةٍ متنوعةٍ. ومع ذلك، فإنَّ رسالتَها متسقةٌ ومترابطةٌ ترابطًا كاملًا (1بطرس 1: 10-12). إنه لأمرٌ صادمٌ حقًّا! إذ إنَّ كلَّ هذه الأسفارِ المقدسة مع تعدُّدِ وجهاتِ النظرِ المطروحةِ فيها تترابطُ معًا كأجملِ نسيجٍ مطرَّزٍ يكشفُ عن نعمةِ الله المذهلةِ للخطاةِ.

ودونَ مُنازِعٍ ليس سوى الله يمكنُه أنْ يصنعَ كتابًا مثلَ الكتابِ المقدسِ، والذي -من خلالِ العديدِ من الكُتَّابِ البشريينَ المختلفينَ- يكشفُ عن الرسالةِ الواحدةِ المتسقةِ، رسالةِ النعمةِ التي يذخرُها للخطاةِ من خلالِ الإيمانِ بيسوعَ.

٣. الكتابُ المقدسُ يملكُ قوةَ تغييرِنا

يُمكِنُنا أنْ نصدِّقَ الكتابَ المقدسَ؛ لأنهُ يملكُ قوةَ تغييرِنا؛ إذ إنَّهُ يحولُ قلوبَ الخطاةِ ويغيرُها، ويستمرُّ يعملُ في قلوبِ المؤمنينَ. مرةً أخرى، يتمحورُ الكتابُ المقدسُ حولَ يسوعَ. ولا يأتي الخطاةُ للإيمانِ إلا من خلالِ سماعِ كلمةِ اللهِ (رومية 10: 17). فهذهِ الكلمةُ هي “الْقَادِرَة أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ” (2 تيموثاوس 3: 15). لاحَظَ بولسُ قوةَ الكلمةِ المغيِّرةَ للحياةِ هذه. إذ يكتبُ الى الكنيسةِ في تسالونيكي: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ.”

 تلك هي قوةُ الكتابِ المقدسِ لتغييرِ القلب غيرِ المؤمنِ، لكن لا تتوقَّفُ قدرتُه على التغييرِ عند هذا الحدِّ، بل يستطردُ بولسُ قائلًا: “[هذهِ كلمةُ اللهِ] الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ” (1 تسالونيكي 2: 13).

٤. الروحُ القدسُ يُقنعُنا بصدقِ الكتابِ المقدسِ

هذا السببُ الأخيرُ يجعلُنا نثقُ بالكتابِ المقدسِ، ورغم أنه غيرُ موضوعيٍّ، فإنهُ لا يمكنُ تجنبُ النظرِ فيهِ، لكنه في الوقتِ ذاتِه أقوى سببٍ للإيمانِ بالكتابِ المقدسِ. في نهايةِ الأمرِ، فالروحُ القدسُ “هو وحده القادرُ على إقناعِ قلبِ الإنسانِ بأنَّ الأسفارَ المقدسةَ هي ذاتها كلمةُ اللهِ؛ إذْ يشهدُ من خلالِها ويشتركُ معها في إعلانِ صدقِ وحيِها.”[4] إلا أنَّ رسالةَ النعمة التي يحملُها الكتابُ المقدسُ تُعدُّ في نظر القلوبِ المتحجّرةِ بالخطيةِ رسالةً حمقاءَ. لذا لا يمكنُ إلا للروحِ القدسِ وحده الذي يعملُ في قلوبِنا من خلالِ الكتابِ المقدسِ أن يغلبَ عدمَ إيمانِنا وفتورَنا، فاتحًا أعينَنَا لنفهمَ الكتابَ المقدسَ فنؤمنَ بهِ (2 كورنثوس 2: 14).

في نهايةِ المطافِ، لا توجدُ إلا طريقٌ واحدةٌ تدفعُنا للثقةِ في الكتابِ المقدسِ، سواء هذه الأسباب أو غيرها، فكما قال دي سيغوفيا: “إنه كتابٌ لا مثيلَ له بين الكتبِ، فهو كتابٌ يسمو فوق جميعِ الكتبِ”. لذا علينا أنْ نقرأَهُ ونفسحَ المجالَ لهُ ليتحدَّى أفكارَنا، حتى يستحوذَ عليها بينما يبذرُ الروحُ القدسُ بذارَ الكلمةِ لكي تعملَ فينا، وتغيِّرَ قلوبَنَا برسالةِ النعمةِ المتناغمةِ التي في المسيحِ، والمقدَّمة لكلِّ الخطاةِ. عندها فقط يمكِنُنا أنْ نصدقَ أنها تُظهِر ما تنادي بهِ، أي أنها كلمةُ الله التي تغيِّر الحياةَ تغييرًا جذريًّا.


[1] José de Segovia, interview and translation by the author, Reformadores que Debes de Conocer: John Wycliffe, El Faro de Redención, October 29, 2018.

[2] This is a conscious riff on C.S. Lewis’ “Liar, Lunatic, Lord” argument for the deity of Christ. See C.S. Lewis, Mere Christianity (1952; Harper Collins: 2001), 51-52

[3] Westminster Larger Catechism Q&A 4. Reasons 2-4 of this article track with the argument of this catechism question and answer.

[4] Westminster Larger Catechism Q&A 4. Reasons 2-4 of this article track with the argument of this catechism question and answer.

  • دان وارن

    نشأ دان وارن في حقلِ الإرساليةِ في سينالوا بالمكسيك؛ حيث التقى بزوجتِه ماريانا. درس دان في كليةِ اللاهوتِ بويست مينستر بكاليفورنيا وحصل على درجة الماجستير في اللاهوت الرعوي (M.Div, 2017) ويخدم كراعٍ وقائدٍ للعبادةِ في كنيسةِ المسيح المشيخية (PCA) في تيميكولا، كاليفورنيا. وهو أحدُ المتحدثين في خدمة Haven، إذ يقودُ خدمة El Faro de Redencin، وهي إذاعةٌ لتعليمِ الكتابِ المقدسِ، تُبثُّ عشيةَ عطلة نهاية الأسبوع في كوبا وعبر أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة.

    Read All by دان وارن ›

ابحث في مكتبة الموارد